في قلب مدينة مراكش الحمراء، وبنبرة تعكس التقدير الدولي للمسار التحديثي الذي تنهجه المملكة، تقاطرت الإشادات على التجربة المغربية في مجال رقمنة الإدارة وتطوير الخدمات القانونية. هذه المرة، جاءت الشهادة من أعلى هرم في منظومة القانون الدولي الخاص، ممثلة في كريستوف برناكوني، الأمين العام لمؤتمر لاهاي، الذي لم يتردد في وصف المغرب بالفاعل المحوري والمندمج تماماً في الدينامية العالمية لتبسيط المساطر الإدارية وتطوير خدمات المصادقة.
خلال الجلسة الافتتاحية للدورة 14 للمنتدى الدولي لبرنامج ‘الأبوستيل’ الإلكتروني، توقف برناكوني عند التحول الجذري الذي أحدثته اتفاقية ‘الأبوستيل’ منذ عام 1961. فبدلاً من الدوامة الطويلة والمعقدة للمصادقات التقليدية التي كانت ترهق المرتفقين، أصبحنا اليوم أمام شهادة موحدة تسهل تنقل الوثائق الرسمية عبر الحدود. واليوم، يتسع هذا النادي الدولي ليشمل 129 دولة، مع إصدار ما يزيد عن 35 مليون شهادة سنوياً، وهو رقم ضخم يعكس الأهمية القصوى لهذا الإجراء في تزييت عجلات التبادل القانوني والإداري بين الدول.
لكن المغرب، كما أوضح المسؤول الدولي، لم يكتفِ بالانخراط التقليدي، بل انتقل إلى السرعة القصوى عبر تبني ‘الأبوستيل الإلكتروني’. وبحسب برناكوني، فإن المملكة نجحت في تفعيل ركيزتين أساسيتين: الأولى تتعلق بإصدار الشهادات رقمياً، والثانية ترتبط بإنشاء سجلات إلكترونية تتيح التحقق الفوري من صحة ومصدر الوثائق. هذه الخطوة ليست مجرد إجراء تقني عابر، بل هي تعزيز حقيقي للشفافية وبناء جسور الثقة في الوثائق المغربية المتداولة على الصعيد العالمي.
ومن الرباط التي تحتضن المكتب الإقليمي لمؤتمر لاهاي، يبرز التزام المملكة كشريك استراتيجي في تطوير ‘العدالة الرقمية’. ولعل انعقاد هذا المنتدى لأول مرة على أرض أفريقية، وتحديداً في مراكش، يؤكد أن المغرب بات يشكل منصة رائدة تقود القارة نحو ممارسات فضلى تواكب التحولات المتسارعة في منظومة العدالة الدولية.
هذا الحدث، الذي ينظم بمبادرة من المكتب الإقليمي لمؤتمر لاهاي وبدعم من وزارة العدل المغربية، يفتح على مدار يومين آفاقاً واسعة لتبادل الخبرات. وهو يرسخ قناعة دولية بأن المغرب لا يواكب التطور فحسب، بل يساهم بفعالية في صياغة مستقبل الخدمات الإدارية العابرة للحدود، بما يخدم مصالح المواطنين والمستثمرين على حد سواء.