لا تزال صور الأرشيف القديمة تملك تلك القدرة السحرية على أخذنا في رحلة عبر الزمن، لتكشف لنا تفاصيل غابت عن أذهان الكثيرين منا. ومن بين هذه الكنوز البصرية، تبرز لقطات لمدينة إفران خلال فترة الحماية الفرنسية، وهي صور لا توثق فقط حجارة ومباني، بل تحكي قصة تحول مدينة تحولت إلى ‘جوهرة’ في قلب الأطلس المتوسط.
عندما نتأمل تلك الصور التي تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، نلاحظ بوضوح البصمة الأوروبية التي صبغت المدينة. لم يكن الأمر صدفة، بل كان مشروعاً عمرانياً مدروساً بعناية، حيث أراد المخططون حينها استنساخ طراز المدن الأوروبية الصغيرة. المباني ذات الأسطح المائلة والمنحدرة لم تكن مجرد لمسة جمالية، بل كانت ضرورة تقنية فرضتها الطبيعة المناخية الباردة وتساقط الثلوج الكثيف الذي يميز المنطقة.
لقد أدرك المستعمر حينها أن إفران ليست مجرد نقطة جغرافية، بل ملاذ مثالي للاستجمام. بفضل موقعها الاستراتيجي في أعالي الأطلس، تحولت المدينة إلى وجهة مفضلة للمسؤولين والأجانب الهاربين من حرارة المدن الأخرى، بحثاً عن نسمات الهواء العليل والمناظر الطبيعية الخلابة التي تخطف الأنفاس.
والجميل في الأمر، أننا اليوم وبعد عقود طويلة، ما زلنا نرى ملامح تلك الحقبة حاضرة في أزقة إفران. لقد نجحت المدينة في الحفاظ على ‘شخصيتها’ المعمارية الفريدة رغم تعاقب السنين. إن مقارنة صورة قديمة بالأبيض والأسود مع واقع المدينة اليوم، تمنحنا فرصة فريدة لرؤية كيف تداخل الماضي بالحاضر، وكيف تشكلت هوية هذه المدينة التي نعتز بكونها اليوم واحدة من أجمل مدن العالم.
إن هذه الصور ليست مجرد قطع من الماضي، بل هي شاهد بصري حي، يربط الأجيال المتعاقبة بتاريخ مدينتهم، ويذكرنا بأن لكل ركن في إفران حكاية تستحق أن تُروى، وأن التخطيط الذكي الذي راعى البيئة والمناخ منذ البداية، هو السر وراء بقاء ‘سويسرا المغرب’ متألقة في كل زمان.