24 ساعة

من قلب أكادير.. ميلاد جبهة حقوقية لانتشال “مرضى النفس” من غياهب التهميش والنسيان

لم تعد معاناة المرضى النفسيين في المغرب مجرد ملف طبي حبيس أسوار المستشفيات، بل تحولت اليوم إلى قضية حقوقية تؤرق الضمير الجمعي. ومن هذا المنطلق، شهدت مدينة أكادير ولادة إطار مدني وحقوقي جديد، وضع نصب عينيه هدفاً أسمى: جعل كرامة المريض النفسي عنواناً عريضاً لمعركة نضالية تسعى لإخراج هذا الملف من “رفوف النسيان” إلى صلب النقاش العمومي.

هذا المولود الحقوقي الجديد لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة تكتل نوعي يجمع بين نشطاء حقوقيين، وأكاديميين، ومهنيين في قطاع الصحة. هؤلاء جميعاً توحدت رؤيتهم حول قناعة راسخة بأن الأوجاع التي يعيشها المصابون باضطرابات نفسية لم تعد شأناً طبياً صرفاً، بل هي قضية حقوق إنسان بامتياز، تستوجب وقفة حازمة لتغيير واقع يلفه الكثير من الغموض والهشاشة.

وخلال اللقاء التأسيسي، الذي احتضنه مقر اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بأكادير، تحول النقاش إلى فضاء لتشخيص مكامن الخلل في المنظومة الحالية. وبكثير من الصراحة، وضع المشاركون الإصبع على الجرح، متحدثين عن محدودية الرعاية الصحية المتخصصة، وصعوبة الولوج إلى العلاج، فضلاً عن النقص الحاد في الأطقم الطبية المتخصصة. كما لم يفت المجتمعين التنبيه إلى “الهشاشة القانونية” التي تطبع النصوص المنظمة لحماية مستعملي مصالح الصحة العقلية، وهي نصوص تبدو اليوم قاصرة عن مواكبة التحولات الحقوقية.

ولعل أشد ما يؤلم في هذا الملف، حسب ما تم تداوله في اللقاء، هو تلك “الوصمة الاجتماعية” التي لا تزال تلاحق المرضى وعائلاتهم كظلها. هذه الوصمة لا تكتفي بعزل المريض عن محيطه، بل تضاعف من آلامه، وتحول المرض من معاناة صحية إلى إقصاء اجتماعي يفرغ الحق في العلاج من جوهره الإنساني. إن استمرار التعامل بمنطق التهميش يحول حياة هؤلاء الأشخاص إلى سلسلة من الانتهاكات الرمزية لكرامتهم.

أصحاب المبادرة في أكادير يراهنون اليوم على إرساء مقاربة جديدة، تقطع مع الماضي وتدفع نحو ملاءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية لحماية حقوق المرضى النفسيين. إنهم يطمحون إلى بناء جسور من التعاون مع مختلف الفاعلين المؤسساتيين والأكاديميين، لتحويل قضايا الصحة النفسية إلى أولوية في أجندة السياسات العمومية، محلياً ووطنياً.

هي خطوة وصفها مراقبون بأنها محاولة جادة لكسر “جدار الصمت” المضروب حول معاناة طال أمد تجاهلها، ورد الاعتبار لفئة تعيش “هشاشة مركبّة” داخل مجتمع لا يرحم الضعيف. إنها صرخة من أكادير تذكر الجميع بأن الصحة النفسية ليست ترفاً، بل هي حق أساسي من حقوق الإنسان.