من قلب مدينة طنجة التي تحولت في الأيام الماضية إلى قبلة لصناع القرار الاقتصادي في القارة السمراء، خرجت اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة برسالة واضحة لا تقبل التأويل: لا خيار أمام الدول الأفريقية سوى العمل الجماعي لمواجهة الصدمات العالمية المتلاحقة.
ك. غاتيتي، الأمين العام المساعد للأمم المتحدة والأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لأفريقيا، لم يترك مجالاً للغموض في مؤتمره الصحفي عقب اختتام مؤتمر وزراء المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية (COM 2026). المسؤول الأممي وضع الإصبع على الجرح، محذراً من أن النزاعات في الشرق الأوسط ليست مجرد أحداث عابرة، بل هي زلازل اقتصادية قد ترفع أسعار الوقود والغذاء، وتضرب سلاسل التوريد في مقتل، خاصة وأن دول القارة لا تزال تعتمد بشكل كبير على الواردات الحيوية. والأسوأ من ذلك، أن هذه الأزمات تأتي في توقيت حساس جداً يتزامن مع الموسم الزراعي في العديد من الدول الأفريقية، مما يجعل الأمن الغذائي على المحك.
وعن الحلول، شدد غاتيتي على أن التنسيق لم يعد ترفاً، بل ضرورة ملحة. وطالب بتوحيد الجهود بين مفوضية الاتحاد الأفريقي، والبنك الأفريقي للتنمية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لصياغة استجابات فعالة بدلاً من الحلول المجزأة.
لكن الحديث في طنجة لم يقتصر على ‘إطفاء الحرائق’؛ فقد كان للابتكار حصة الأسد. غاتيتي أكد أن التحول الرقمي ليس مجرد شعار، بل هو أداة أفقية يجب دمجها في الفلاحة والصناعة والخدمات، مشدداً على أهمية البيانات الدقيقة لاتخاذ قرارات اقتصادية سليمة بعيداً عن الارتجال.
وفي ملف حيوي آخر، دق غاتيتي ناقوس الخطر بشأن تمويل الصحة. فمن غير المعقول، حسب قوله، أن تظل دول عديدة رهينة للمساعدات الخارجية التي تغطي أحياناً أكثر من نصف ميزانيات قطاعاتها الصحية. ودعا صراحة إلى ابتكار نماذج تمويلية جديدة تمكن الدول الأفريقية من تعبئة مواردها الداخلية، لضمان استدامة الأنظمة الصحية أمام أي صدمات مستقبلية.
يذكر أن مؤتمر (COM 2026)، الذي التأم في طنجة من 28 مارس إلى 3 أبريل تحت شعار ‘النمو عبر الابتكار’، نجح في جمع نخبة من الوزراء والباحثين والفاعلين الاقتصاديين تحت سقف واحد، لرسم ملامح مستقبل القارة في ظل عالم يزداد تعقيداً.