لطالما اعتبر مطار الطبقة العسكري، الرابض في قلب محافظة الرقة السورية، أكثر من مجرد قاعدة جوية؛ بل كان بمثابة ‘العين التي لا تنام’ للنظام السوري في المنطقة الشمالية، وحصناً استراتيجياً تكسرت عند أسواره محاولات عديدة قبل أن يسقط في يد تنظيم ‘داعش’ في غشت من عام 2014. هذا المطار، الذي يقع على بعد حوالي 50 كيلومتراً غرب مدينة الرقة، لم يكن مجرد مدرج للطائرات، بل كان يضم ترسانة عسكرية ضخمة تشمل أسراباً من طائرات ‘الميغ’ و’السوخوي’، بالإضافة إلى مروحيات قتالية ومستودعات ذخيرة كانت تمول العمليات العسكرية في مساحات شاسعة من البادية والشمال.
إن قصة سقوط المطار لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت بعد حصار خانق ومعارك طاحنة استمرت لأسابيع، استخدم فيها التنظيم الإرهابي تكتيكات الانتحاريين والمفخخات لكسر الخطوط الدفاعية الأولى. ومع تداعي الدفاعات، شهد العالم آنذاك مشاهد قاسية لعمليات إعدام جماعية طالت العشرات من جنود النظام الذين لم يسعفهم الوقت للانسحاب، مما جعل من ‘مطار الطبقة’ رمزاً لواحدة من أكثر اللحظات دموية في الصراع السوري.
لكن دوام الحال من المحال؛ فالمطار الذي كان يوماً فخراً لسلاح الجو السوري، ثم مركزاً لإدارة العمليات الإرهابية، انتقل لاحقاً إلى قبضة ‘قوات سوريا الديمقراطية’ (قسد) بدعم مباشر من التحالف الدولي في مارس 2017. هذا التحول لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان ضربة قاصمة لمشروع التنظيم في اتخاذ الرقة عاصمة له، حيث قطع شريان الإمداد الجوي والبري الحيوي. اليوم، يظل مطار الطبقة شاهداً حياً على تقلبات الحرب السورية، حيث تحول من قاعدة هجومية إلى نقطة ارتكاز لوجستية، تعكس في تفاصيل مدرجاته المحطمة حكاية صراع دولي وإقليمي لم تهدأ نيرانه بعد.