مر عام كامل على فاجعة زلزال الحوز، لكن الجراح في أعالي الجبال لم تندمل بعد، بل إنها تفتح كل يوم فصولاً جديدة من المعاناة، لعل أقساها ما يعيشه جيل المستقبل في قاعات دراسية لا تشبه المدارس في شيء. اليوم، لم يعد الرهان في إقليم الحوز مقتصرًا على جودة التعليم أو محاربة الهدر المدرسي، بل صار الرهان هو “البقاء على قيد الحياة” داخل فضاءات تعليمية بديلة تحولت مع مرور الوقت إلى مصدر قلق حقيقي للأسر والأطر التربوية على حد سواء.
الواقع الميداني يكشف عن صورة قاتمة؛ مئات التلاميذ يتابعون دروسهم داخل خيام بلاستيكية أو حاويات حديدية (براريك) تفتقر لأبسط شروط السلامة والوقاية. هذه الوحدات، التي كان يُفترض أن تكون حلاً مؤقتًا واستعجاليًا، أصبحت اليوم تشكل خطراً محدقاً؛ فهي سريعة الاشتعال في ظل غياب وسائل إطفاء الحرائق، وضيق مساحتها يجعل من عملية الإجلاء في حالات الطوارئ أمراً شبه مستحيل. ولا يتوقف الأمر عند خطر الحريق، بل يمتد ليشمل الظروف المناخية المتقلبة، حيث تتحول هذه الحاويات إلى “أفران” في الصيف و”ثلاجات” في الشتاء، مما ينعكس سلباً على التركيز الذهني والتحصيل الدراسي للطلاب.
مصادر محلية وحقوقية دقت ناقوس الخطر، مشيرة إلى أن استمرار التدريس في هذه الظروف يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص. فبينما يستفيد أقرانهم في المدن من مرافق حديثة، يواجه أطفال الحوز قسوة الطبيعة وهشاشة البنية التحتية. إن التأخر في إعادة بناء المدارس المنهارة أو ترميم المتضررة منها يضع الوزارة الوصية أمام مسؤولية تاريخية، خاصة وأن الوعود التي أطلقت غداة الزلزال كانت تتحدث عن عودة سريعة للحياة الطبيعية.
إن ما يحتاجه إقليم الحوز اليوم ليس مجرد حلول ترقيعية أو خيام إضافية، بل إرادة سياسية حقيقية لتسريع وتيرة إعادة الإعمار. فالاستثمار في الحجر قد ينتظر، لكن الاستثمار في البشر، وتحديداً في هؤلاء الأطفال الذين تحدوا الركام ليعودوا إلى مقاعد الدراسة، لا يقبل التأجيل. إنها صرخة صامتة يطلقها سكان الجبال، آملين أن تصل إلى آذان المسؤولين قبل أن تقع كارثة أخرى لا قدر الله.