24 ساعة

ليلة الوفاء في هولندا.. دموع وحنين واعتراف بجميل ‘الميمة’ في احتفالية مغربية بامتياز

لم يعد ‘عيد الأم’ في بلاد المهجر مجرد مناسبة عابرة لتبادل الزهور أو تقديم الهدايا الرمزية، بل تحول في أوساط الجالية المغربية بهولندا إلى وقفة إنسانية عميقة لاستحضار معنى الأمومة بوصفها خيطاً ناظماً للهوية وذاكرة حية لا تنطفئ. وفي مشهد يفيض بالمشاعر، احتضنت قاعة ‘بوديوم جنيتن’ (Podium Genieten) احتفالية مميزة نظمتها جمعية ‘الصداقة’ (Assadaaka)، حيث تحولت الأمسية من مجرد نشاط جمعوي إلى فضاء دافئ لاستعادة دفء العائلة والارتباط بالجذور.

وخلال متابعتنا لأطوار هذا الحفل، بدا واضحاً أن الحضور الذي ضم عائلات من مشارب ثقافية متنوعة، قد اجتمع على كلمة واحدة هي ‘الوفاء’. ولم تكن الكلمات التي ألقاها رئيس الجمعية، أحمد المسيري، مجرد خطابة تقليدية، بل جاءت بلمسة إنسانية صادقة تحدث فيها عن الأم بصفتها تلك القوة الهادئة التي تبني الأجيال دون انتظار مقابل، مشيداً بالنساء اللواتي يتحملن أعباء الحياة في بلاد الغربة بصبر وتفانٍ، وهو ما أثار تفاعلاً كبيراً من الحاضرين الذين وجدوا في كلامه صدى لمشاعرهم الدفينة.

ولعل اللحظة الأكثر تأثيراً في الأمسية، كانت عندما صدح صوت الفنانة هناء زيدان بأغنية ‘أمي الحنونة’، حيث خيم صمت مهيب على القاعة قبل أن تنفجر المشاعر وتغالب الدموع عيون الأمهات والأبناء على حد سواء. كانت تلك اللحظة بمثابة استرجاع جماعي لذكريات الطفولة البعيدة، وما تحمله من حنين لزمن مضى ووجوه غابت لكنها بقيت محفورة في الوجدان.

التنوع الثقافي كان حاضراً أيضاً بلمسة فنية راقية، حيث قدم الفنان إدريس عمران تهراوي باقة من الأغاني الإسبانية بأسلوب حافظ على الذوق المغربي الأصيل، قبل أن يختم وصلته بأغنية ‘يا رايح وين مسافر’، التي رددها الجمهور بحماس ممزوج بمرارة الغربة، مجسدة الذاكرة المغاربية المشتركة.

ولم يخلُ الحفل من لفتات إنسانية نبيلة، حيث جرى تكريم السيدة ‘سليمة’، المعروفة بابتسامتها الدائمة وروحها المعطاءة داخل فريق المساعدة بالجمعية. سليمة التي تفتح قلبها قبل بابها للمحتاجين وذوي الاحتياجات الخاصة، لم تكتفِ بالتنظيم بل كانت تمر بين الحاضرين لتذكر الأزواج بلطف وتقدير بضرورة الاهتمام بزوجاتهم، مؤكدة أن الزوجة هي أيضاً أم تستحق كل التقدير لأنها صانعة الاستقرار في البيت.

وفي حديث مفعم بالعاطفة، أعربت ‘ملاك’، النائبة الأولى لرئيس الجمعية، عن تأثرها الكبير بأجواء الأمسية التي أعادتها لسنوات الطفولة في مدينة تطوان. وقالت ملاك إن حب الأم يبقى محفوراً في الذاكرة مهما تعاقبت السنون، معبرة عن شوقها الكبير لمعانقة والدتها في ‘الحمامة البيضاء’ قريباً.

اختتمت الأمسية، التي شهدت أيضاً مشاركة فنية متميزة لكل من فؤاد بناني والعاقل، برسالة واضحة مفادها أن تكريم الأم في ديار الغربة هو فعل لمقاومة النسيان، وتأكيد على أن الأم المغربية تظل هي الحارس الأمين للقيم واللغة والروابط الأسرية التي تعبر البحار والقارات.