في لحظات خيم عليها الوفاء وعبق الذكريات، شهدت مدينة الناظور وقفة إنسانية خاصة، حيث التأم شمل نخبة من النشطاء والفاعلين الحقوقيين والثقافيين في زيارة مؤثرة إلى قبر المفكر الأمازيغي الراحل محمد بوهدان.
لم تكن الزيارة مجرد طقس عابر لذكرى رحيله، بل كانت وقفة تأملية في مسار رجل كرس حياته وقلمه لخدمة قضايا الهوية والثقافة الأمازيغية. وبينما كانت الأيادي تمتد بالدعاء والعيون تسترجع صور الراحل، تبادل الحاضرون أحاديث الوفاء، مستحضرين كيف نجح بوهدان في تحويل قضايا الهوية من نقاشات نخبوية إلى وعي مجتمعي حي يلامس هموم المواطن البسيط.
تنوعت خلفيات الحاضرين، لكنهم أجمعوا على نقطة واحدة: ‘إرث بوهدان لا يزال حاضراً’. فخلال الوقفة التأبينية التي تخللت الزيارة، تعالت أصوات الحاضرين بالتأكيد على أن الرجل لم يرحل حقاً ما دامت أفكاره وكتبه لا تزال تشكل مرجعاً حيوياً للمهتمين بالثقافة المغربية. وأكد المتدخلون أن استحضار فكر بوهدان اليوم ليس ترفاً، بل هو ضرورة ملحة لاستكمال مسار النهوض بالهوية الوطنية المتعددة الروافد.
لم تخلُ الكلمات من لمسة حزن على فقدان قامة فكرية بحجم بوهدان، لكنها كانت ممزوجة أيضاً بشعور عميق بالمسؤولية؛ مسؤولية الحفاظ على هذا المخزون الفكري وتوريثه للأجيال الصاعدة. وأجمع المشاركون على أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في استذكار الرموز، بل في العمل الجاد على توثيق أعمالهم ونشر أفكارهم، كجزء من صون الذاكرة الجماعية التي تشكل عموداً فقرياً لأي مجتمع يطمح للتقدم.
غادر المشاركون مقبرة الناظور بقلوب مثقلة بالذكريات، ولكن بعزيمة أقوى على المضي قدماً في الدرب الذي رسمه الراحل. لقد كانت هذه الذكرى بمثابة تجديد للعهد؛ عهد بأن الثقافة الأمازيغية، بكل ما تحمله من عمق تاريخي، ستظل حية بفضل أقلام المخلصين الذين يرفضون للنسيان أن يطال قامات أثرت الخزانة المغربية بمداد الفكر والوعي.