24 ساعة

فقاعة جيراندو تنفجر.. سقوط أقنعة الابتزاز الرقمي وصراع الأجنحة في ‘مستنقع التسريبات’

ما يحدث اليوم داخل ‘شلة’ الابتزاز والتشهير لم يعد مجرد ضجيج رقمي عابر على منصات يوتيوب، أو خرجات إعلامية تبحث عن ‘البوز’ الرخيص والفرقعات الصوتية، بل تحول الأمر إلى ملف قضائي شائك بدأ يزيح الستار عن هيكل معقد ظل يعمل لسنوات طويلة في العتمة. هؤلاء الذين اتخذوا من شعارات ‘فضح المستور’ و’حرية التعبير’ واجهة براقة، يخفون خلفها أساليب خطيرة تعتمد بالأساس على التسريبات الموجهة، والابتزاز الممنهج، واستهداف المؤسسات والأفراد للنيل من سمعتهم وضرب استقرارهم.

ولعل تقديم القاضي الذي ظهرت تسجيلاته ومحادثاته مع هشام جيراندو أمام العدالة، وإحالته على قاضي التحقيق في حالة اعتقال، لم يكن مجرد إجراء روتيني أو ‘خبر عاجل’ يمر مرور الكرام. إنه، وبكل وضوح، مؤشر قوي على أن الدولة بدأت تضرب بيد من حديد في ملف أخذ أبعاداً حساسة للغاية، كاشفاً عن حجم التغلغل والارتباطات المشبوهة لجهات كانت تحاول دوماً البقاء بعيداً عن الأضواء وممارسة ضغوطها من خلف الستار.

المثير للدهشة في هذه النازلة، ليس فقط حجم الاختراق، بل الطريقة التي تعامل بها جيراندو مع هذه التطورات المتسارعة. لم يذهب الرجل نحو الدفاع الهادئ أو النفي الممنطق، بل اختار سياسة ‘الهروب إلى الأمام’ عبر التصعيد والرسائل الملغومة. حاول، بيأس واضح، الإيحاء بأن له امتدادات وعلاقات عميقة داخل دوائر ‘حساسة’، مستمراً في استهداف المسؤولين القضائيين والتلويح بوجود صراعات داخلية وهمية. هذا الخطاب لا يعكس فقط حالة من الارتباك والتخبط القاتل، بل يفضح طبيعة المنظومة التي بناها؛ منظومة قوامها تبادل المصالح الضيقة واستغلال المعلومات المسربة كأوراق ضغط دائمة.

والواقع المرير أننا في هذا العالم المظلم، لا نجد أثراً للصداقات الدائمة أو التحالفات المتينة المبنية على المبادئ. نحن اليوم أمام مرحلة ‘تفكك داخلي’ بامتياز، حيث بدأت الروابط تنفرط والاتهامات المتبادلة تطفو على السطح. النبرة التي يعتمدها جيراندو اليوم توحي بأنه مستعد للتضحية بكل من كان يدور في فلكه، سواء من خلال التواصل أو التنسيق أو تزويده بالمعلومات. إنها رقصة الديك المذبوح، حيث يسعى لخلط الأوراق وإرسال إشارات تهديد مبطنة للجميع، في محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سفينة بدأت تغرق فعلياً في مستنقع الابتزاز الذي حفرته لنفسها.