في تطورات مثيرة لملف “غرامات السير” الذي استأثر باهتمام الرأي العام بمدينة فاس، أسدلت غرفة جرائم غسل الأموال بالمحكمة الابتدائية، عصر الأربعاء 4 مارس، الستار على فصول المحاكمة بإصدار أحكام قضائية حاسمة في حق شرطيين كانا يزاولان مهامهما بمصلحة مخالفات السير بولاية أمن فاس.
وهكذا، قضت هيئة الحكم بالسجن النافذ لمدة سنتين في حق المعنيين بالأمر، مع إيقاف التنفيذ في سنة واحدة، ليكون المجموع الفعلي داخل أسوار السجن سنة واحدة لكل منهما. ولم تكتفِ المحكمة بالعقوبة الحبسية، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بقرارها مصادرة العقارات التي وُضعت اليد عليها، تماشياً مع حصص الملكية، مع حجز المنقولات لفائدة خزينة الدولة، فضلاً عن تجميد ومصادرة الحسابات البنكية الخاصة بهما وتأميم أموالها لصالح الدولة.
وتعود خيوط هذه القضية إلى منتصف شهر فبراير الماضي، حين وضعت الفرقة الجهوية للشرطة القضائية يدها على الملف بناءً على تعليمات النيابة العامة المختصة. وجاء التحرك القضائي بعدما حامت الشكوك حول تورط ثلاثة عناصر أمنية، بينهم ضابط ممتاز وشرطي يشتغلان بالمصلحة المذكورة، بالإضافة إلى موظف أمن متقاعد، في تهم ثقيلة تتعلق بالتزوير واستعماله واختلاس أموال عمومية.
الواقعة تفجرت إثر تدقيق مالي وإداري دقيق أجرته المفتشية العامة للمديرية العامة للأمن الوطني، كشف عن اختلالات غير مفهومة في تدبير مبالغ “الصلح الجزافي” الخاصة بمخالفات السير بولاية أمن فاس. هذه الأرقام المتضاربة والبيانات المشبوهة كانت بمثابة “الخيط الرفيع” الذي قاد المحققين إلى كشف المستور وإحالة الملف على الشرطة القضائية لتعميق البحث وتحديد المسؤوليات.
وبموازاة مع المسار القضائي، لم تتوانَ المديرية العامة للأمن الوطني عن اتخاذ قرارات إدارية صارمة، حيث بادرت إلى التوقيف المؤقت للشرطيين الممارسين عن العمل، في انتظار استكمال المساطر القانونية وتفعيل العقوبات التأديبية التي تفرضها اللوائح الداخلية للمؤسسة الأمنية، وهو ما يعكس نهج “ربط المسؤولية بالمحاسبة” الذي تنهجه المديرية في تدبير شؤونها الداخلية.
هذا الملف، الذي أثار صدمة في الأوساط المحلية بمدينة فاس، يبعث برسالة واضحة بأن التلاعب بالمال العام لا مكان له داخل المؤسسة الأمنية، وأن كل درهم من أموال المخالفات يجب أن يجد طريقه الصحيح إلى خزينة الدولة، بعيداً عن أيدي من أُؤتمنوا على تطبيق القانون.