يبدو أن رياح فضيحة «جيفري إبستين» العابرة للقارات لم تكتفِ بهز أركان السياسة في واشنطن ولندن، بل حطت رحالها هذه المرة في قلب العاصمة الفرنسية باريس، لتنهي مسيرة واحد من أبرز الوجوه الثقافية والسياسية في البلاد. فقد أعلن السياسي الفرنسي المخضرم، جاك لانغ، يوم السبت، تنحيه عن رئاسة «معهد العالم العربي»، وهي المؤسسة العريقة التي ظل يتربع على عرشها منذ عام 2013.
وجاءت هذه الاستقالة المدوية بعد أيام من الشد والجذب، حيث وجد لانغ (86 عاماً) نفسه في عين العاصفة عقب تسريبات جديدة من «ملفات إبستين» المثيرة للجدل. وفي رسالة وجهها إلى وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، عرض لانغ تقديم استقالته رسمياً خلال اجتماع مجلس الإدارة المقبل، وهو القرار الذي اعتبره مراقبون «لا مفر منه» أمام تزايد الضغوط السياسية والقضائية.
ورغم هذه الخطوة، لا يزال لانغ متمسكاً ببراءته؛ إذ صرح محاميه، لوران ميرليه، بأن موكله يشعر بـ«حزن شديد» لمغادرة مؤسسة أحبها، لكنه في الوقت ذاته يبدو «مقاتلاً» ولن يسمح لـ«الافتراءات» بالنيل من سمعته. وتأتي هذه التطورات بعد أن فتح الادعاء العام الفرنسي تحقيقاً أولياً شمل لانغ وابنته كارولين، بتهم تتعلق بـ«تبييض عائدات تهرب ضريبي»، وهي اتهامات تزامنت مع ظهور اسمه مئات المرات في وثائق رجل الأعمال الأمريكي الراحل.
القصة لا تتوقف عند الأب فحسب، بل امتدت إلى ابنته كارولين، المنتجة السينمائية، التي ورد اسمها في وصية إبستين كـ«مستفيدة» من مبلغ 5 ملايين يورو، مما دفعها هي الأخرى للاستقالة من رئاسة اتحاد المنتجين المستقلين. وبينما يؤكد لانغ أن علاقته بإبستين لم تتجاوز حدود «العمل الخيري» وأنه صُدم بوجود اسمه في وثائق شركات «أوفشور»، يرى منتقدوه، ومن بينهم زعيم الحزب الاشتراكي أوليفييه فور، أن التنحي كان ضرورياً لحماية سمعة معهد العالم العربي.
يُذكر أن جاك لانغ ليس مجرد موظف سامٍ، بل هو مهندس «عيد الموسيقى» الشهير وأحد أعمدة عهد الرئيس الراحل فرانسوا ميتيران، وهو الرجل الذي أشرف على مشاريع معمارية كبرى مثل «هرم اللوفر». لكن اليوم، يبدو أن هذا الإرث الطويل بات يواجه أصعب اختباراته أمام القضاء والرأي العام، في قضية لا تزال تخبئ الكثير من المفاجآت.