لم تعد الطريق الإقليمية رقم 5414 مجرد مسلك للعبور بالنسبة لساكنة جماعة “الربع الفوقي” بإقليم تازة، بل تحولت إلى هاجس يومي يؤرق مضجع الصغير والكبير. فبين الحفر العميقة والمنعرجات المتآكلة، يجد سكان دواوير “بني عمار”، “بوبيادة”، و”كدة دكرات” أنفسهم في مواجهة مباشرة مع عزلة خانقة لا ترحم، خاصة حين تقرر السماء أن تجود بأمطارها.
منذ سنوات، والحديث يدور حول مشروع تأهيل هذه الطريق وتطويرها، وهو المشروع الذي قيل إنه مدرج ضمن برامج مجلس جهة فاس-مكناس. لكن، وعلى أرض الواقع، لا يزال المشهد على حاله: غبار خانق صيفاً، ومستنقعات من الأوحال شتاءً تمنع السيارات وسيارات الأجرة من العبور، مما يكبّد أصحاب العربات خسائر مادية فادحة نتيجة الأعطاب المتكررة.
في حديث مع عدد من الفاعلين المحليين، تبرز نبرة من الإحباط والأسف؛ فالتأخير غير المبرر في خروج هذا المشروع إلى حيز الوجود يطرح علامات استفهام كبرى حول نصيب هذه المنطقة من “العدالة المجالية”. الساكنة تؤكد أن هذه الطريق هي شريان الحياة الوحيد الذي يربطهم بالعالم الخارجي، وتعطلها يعني ببساطة حرمان المرضى من الوصول للمراكز الصحية في الوقت المناسب، ومعاناة التلاميذ في الوصول إلى حجرات الدراسة، فضلاً عن غلاء المعيشة بسبب صعوبة نقل البضائع.
أمام هذا “الصمت المؤسساتي”، لم يقف شباب المنطقة مكتوفي الأيدي، بل نقلوا معاناتهم إلى الفضاء الرقمي عبر حملات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، مطالبين الجهات المسؤولة بضرورة التدخل الفوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وفي مشهد يجسد روح التضامن واليأس في آن واحد، اضطر السكان في مناسبات عديدة للقيام بـ “تويزة” (مبادرات ذاتية) محاولين ردم الحفر بوسائل بدائية لضمان حد أدنى من التنقل.
إن ما يحدث بجماعة الربع الفوقي يسلط الضوء من جديد على الفجوة الكبيرة التي لا تزال تعاني منها البنيات التحتية في العالم القروي ببلادنا. الطريق 5414 لم تعد تتحمل المزيد من الانتظار، الساكنة اليوم لا تطالب بـ “الكماليات”، بل بحق إنساني بسيط: طريق آمنة تحفظ كرامتهم وتنهي مأساة العزلة التي طال أمدها.