لم يعد المشهد الرقمي في المغرب مجرد مساحة لتبادل الصور العابرة أو المقاطع السريعة، بل تحول إلى منصة حقيقية تصوغ الرأي العام وتؤثر في الوجدان الجمعي. من صخب الملاعب وهتافات الجماهير، إلى الهدوء الذي يسبق العاصفة في أزقة المدن العتيقة، استطاع جيل جديد من صناع المحتوى أن يفرضوا أنفسهم كلاعبين أساسيين في نقل الخبر وصناعة الترفيه بلمسة إنسانية غابت طويلاً عن الشاشات التقليدية.
البداية كانت من شغف الساحرة المستديرة؛ فالمغاربة الذين يتنفسون كرة القدم وجدوا في “المؤثرين الرياضيين” صوتاً يشبههم. هؤلاء الشباب لا ينقلون النتائج فحسب، بل يعيشون المباراة بكل جوارحهم، يحللون التكتيك بأسلوب بسيط، وينقلون كواليس المدرجات التي لا تراها كاميرات البث الرسمي. هذا القرب العاطفي خلق نوعاً من الثقة المتبادلة، حيث أصبح المتابع يرى في صانع المحتوى صديقاً يشاركه الفرحة بالانتصار والمرارة عند الهزيمة، بعيداً عن لغة الخشب والتحليلات الجافة.
لكن القصة لم تتوقف عند حدود المستطيل الأخضر. سرعان ما امتد هذا التأثير ليشمل نبض المدن وحياة الناس اليومية. انتقل هؤلاء المبدعون بكاميراتهم إلى الأسواق، الأحياء الشعبية، والمبادرات الاجتماعية، مسلطين الضوء على قضايا تهم المواطن البسيط. لقد نجحوا في تحويل “الهاتف المحمول” إلى أداة قوية للمساءلة الاجتماعية أحياناً، وللتضامن الإنساني في أحيان كثيرة، مما جعل المحتوى الرقمي مرآة حقيقية تعكس طموحات وانشغالات الشارع المغربي.
هذا التحول من “مجرد هواية” إلى “قوة ناعمة” يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الإعلام في بلادنا. فبينما يرى البعض فيهم مجرد باحثين عن “البوز”، يثبت الواقع أن الكثير منهم يحملون رسائل هادفة ويساهمون في الترويج للسياحة والثقافة الوطنية بشكل يفوق أحياناً حملات مؤسساتية ضخمة. إنها حيوية رقمية مغربية بامتياز، تبرز قدرة الشباب على الابتكار وفرض ذواتهم في عالم لا يعترف إلا بالاستمرارية والقدرة على ملامسة قلوب الناس قبل عقولهم.