لم تكن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المملكة طيلة الشهر الماضي مجرد بشير خير على الفرشة المائية، بل حملت معها ضيفاً ثقيلاً وغير مرغوب فيه داخل بيوت الكثير من المغاربة؛ إنه “الغمال” أو العفن الذي بدأ يزحف على الجدران والأسقف وحتى الأثاث، محولاً فضاءات الراحة إلى مصدر للقلق الصحي.
على منصات التواصل الاجتماعي، ضجت المجموعات بصور توثق غزو بقع العفن السوداء والخضراء لزوايا المنازل. وبلهجة لا تخلو من السخرية الممزوجة بالألم، وصف بعض المستخدمين الوضع قائلين إن “العشب كاد ينبت في صالوناتنا”، بينما اشتكى آخرون من رائحة “جافيل” التي باتت تملأ الأركان في محاولة يائسة للقضاء على هذه الفطريات.
لكن الخبراء يرفعون الراية الحمراء هنا؛ فاستخدام المبيضات (جافيل) قد يكون حلاً مؤقتاً للأسطح الصلبة مثل الزليج، لكنه لا يجدي نفعاً مع الجدران أو الخشب، حيث يتغلغل العفن في العمق. وفي هذا الصدد، يؤكد الدكتور الطيب حمضي، الباحث في السياسات والنظم الصحية، أن الكثيرين يرتكبون خطأً فادحاً بإغلاق النوافذ طيلة اليوم خوفاً من البرد، مما يحبس الرطوبة داخل البيت.
ويوضح حمضي في تصريح لجريدة هسبريس، أن هذه الفطريات تجد في دفء المطابخ والحمامات بيئة مثالية للتكاثر، خاصة مع غياب التهوية وتراكم ملوثات داخلية مثل أبخرة الطبخ أو التدخين. النتيجة؟ هواء ملوث يهدد بشكل مباشر الأطفال ومرضى الربو، مسبباً تهيجاً في العيون والأنف، وقد يصل الأمر في حالات متقدمة إلى إصابات خطيرة في الرئة والجهاز المناعي.
الحل لا يكمن دائماً في شراء أجهزة غالية الثمن لامتصاص الرطوبة، بل في عادات بسيطة وفعالة. ينصح الدكتور حمضي بتهوية المنزل بشكل كامل لمدة 10 دقائق مرتين يومياً، صباحاً ومساءً، بدلاً من ترك نافذة صغيرة مفتوحة لساعات طويلة. هذه الخطوة كفيلة بتجديد الهواء ومنع الجدران من تبريد مفرط يؤدي إلى تكثف الرطوبة، وبالتالي الحفاظ على بيئة صحية وآمنة للعائلة.