24 ساعة

سناء إسماعيل.. مهندسة الوعي التي جعلت من «قطرة دم» قضية حياة في جهة الشرق

داخل أروقة الوكالة المغربية للدم ومشتقاته بجهة الشرق، لا تكتفي الدكتورة سناء إسماعيل بإدارة الأرقام والمخزونات الحيوية فحسب، بل تبدو أشبه بـ”مهندسة وعي” تسعى لإعادة صياغة علاقة المغاربة مع ثقافة التبرع. بالنسبة لها، الأمن الصحي للمملكة لا يتحقق إلا بتلك القطرة التي قد تصنع الفارق بين الحياة والموت، وهو إيمان عميق حولته من مجرد فكرة إلى استراتيجية عمل يومية.

بدأت حكاية ابنة الناظور التي ترعرعت في وجدة مبكراً جداً؛ فعبارة “طبيبة المستقبل” التي همس بها معلمها في الصف الثاني الابتدائي لم تكن مجرد تشجيع عابر، بل كانت نبوءة لمسار مهني وُلد من رحم الإنسانية. ومنذ أن وقعت عيناها وهي في الرابعة عشرة من عمرها على إعلان يطلب متبرعين لإنقاذ حياة طفل، حُفرت تلك الصورة في ذاكرتها لتصبح البوصلة التي وجهتها نحو دراسة الصيدلة في الرباط، ثم التخصص في عالم تحاقن الدم الشائك.

واليوم، تضع إسماعيل عملها في صلب الرؤية الملكية الساعية للنهوض بالمنظومة الصحية الوطنية. هي تدرك جيداً أن الدم هو شريان الحياة الذي يغذي النظام الصحي، لذا ترفع شعار “اليقظة الاستباقية” لتأمين المخزون، خاصة في ظل الطلب المتزايد لمرضى السرطان وضحايا حوادث السير. وتحت قيادتها، لم تكتفِ المؤسسة بالعمل الروتيني، بل حققت قفزة نوعية بحصولها على شهادة الأيزو (ISO 9001)، مع طموح لا يتوقف عند حدود الجهة، بل يتطلع نحو السيادة الصحية من خلال مشاريع واعدة لإنتاج البلازما محلياً.

ولأنها تؤمن بأن الإدارة وحدها لا تكفي، أسست الدكتورة سناء جمعية “مبادرون” عام 2015، لتكون جسراً يصل إلى المناطق النائية. هي لا تبحث عن متبرعين موسميين، بل تطمح لخلق “سفراء للتبرع” عبر الانفتاح على المساجد والمؤسسات التعليمية. وتراهن في ذلك على الذكاء العاطفي للمرأة المغربية، لا سيما نساء الشرق اللواتي أثبتن كرماً منقطع النظير في دعم هذا الورش الوطني.

خارج أسوار المختبر والوكالة، تظل سناء إسماعيل قارئة نهمة تحذر من سطوة المحتوى الرقمي العابر، وتدعو الأجيال الشابة، والنساء على وجه الخصوص، إلى التحصن بالعلم والعلوم الإنسانية. إن قصة سناء ليست مجرد مسار إداري ناجح، بل هي تجسيد حي لمسؤولة ربطت بين صرامة العلم ودفء الالتزام الإنساني، لتظل جهة الشرق بفضل هذه الكفاءات نموذجاً في صون الحق في الحياة.