يستعد الباحث والأكاديمي الدكتور إلياس الهاني لإثراء المكتبة الوطنية بمؤلف علمي جديد يغوص في أعماق ‘سؤال النهضة’ في الفكر المغربي الحديث. العمل ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو قراءة تحليلية ونقدية تسعى لتفكيك التحولات الفكرية التي واكبت بزوغ الوعي الإصلاحي في المغرب، ومحاولة فهم الخلفيات الحضارية التي دفعت النخبة المغربية قديماً إلى التفكير في سبل التجديد والتقدم.
ينطلق الدكتور الهاني في كتابه من لحظة التحول الكبرى التي شهدتها أوروبا بخروجها من عصور الظلمات، حيث يعيد تشكيل خارطة مفاهيم القوة والمعرفة والسيادة التي منحت القارة العجوز تفوقها التقني والعسكري. ويؤكد الكاتب بأسلوب تحليلي رصين أن هذه النهضة لم تكن معرفية فحسب، بل حملت في طياتها نزعة توسعية وجدت فيها دول العالم الإسلامي، والمغرب خاصة، نفسها في مواجهة مباشرة مع فجوة حضارية متزايدة.
يستعرض الكتاب كيف لم تكن هذه المواجهة عسكرية أو سياسية فحسب، بل كانت محفزاً لوعي حضاري عميق. فمن خلال البعثات الدبلوماسية، والحروب، ورحلات العلماء المغاربة إلى أوروبا، تشكلت لدى النخبة المغربية رؤية نقدية بادروا من خلالها لطرح أسئلة وجودية حول مستقبل الدولة والمجتمع. لم يكن السؤال حينها ‘لماذا تأخرنا؟’ فحسب، بل تطور ليصبح ‘كيف نبني مشروعاً حضارياً يوازن بين متطلبات الحداثة وبين الثوابت الثقافية والدينية؟’.
يركز الباحث في عمله الجديد على قضايا إصلاح مؤسسات الدولة، وتطوير التعليم، وبناء القوة الدفاعية، معتبراً أن النخبة المغربية حاولت التوفيق ببراعة بين مقتضيات العصر وخصوصية الهوية المغربية. ويعد هذا الإصدار إضافة نوعية لمسار الدكتور إلياس الهاني، الحاصل على دكتوراه في الفكر الإسلامي من جامعة محمد الأول بوجدة، والذي عُرف ببحوثه الدقيقة في قضايا التجديد الحضاري والإصلاح.
من المنتظر أن يشكل هذا الكتاب مرجعاً هاماً للباحثين والمهتمين بالدراسات الفكرية والتاريخية، حيث يقدم مقاربة تجمع بين العمق التاريخي والرؤية التحليلية، في محاولة للإجابة على تساؤلات ظلت ولا تزال تشغل الفكر المغربي حول كيفية استعادة الفاعلية الحضارية في عالم متغير.