24 ساعة

خلف أقنعة ‘الفلاتر’.. كيف يعيش ‘المؤثرون’ حياة البذخ على حساب جيوب المتابعين وقيم المجتمع؟

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة مجرد مساحات للتواصل البسيط أو مشاركة اللحظات العفوية، بل تحولت إلى ‘سوق عكاظ’ رقمي بامتياز، حيث يختلط فيه الترف بالبهرجة، وتتحول فيه التفاصيل اليومية إلى بضاعة معروضة لمن يدفع أكثر. اليوم، حين نتصفح ‘إنستغرام’ أو ‘تيك توك’، نجد أنفسنا أمام طوفان من صور السفر الفاخر، والمنتجات العالمية، والاحتفالات الأسطورية التي يعيشها من يطلق عليهم ‘المؤثرون’. لكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون بحيرة: هل هذه الحياة حقيقية؟ أم أنها مجرد ‘واجهة’ ممولة بالكامل؟

الحقيقة التي قد تغيب عن الكثيرين هي أن جزءاً كبيراً من هذا البذخ الفاحش لا يكلف هؤلاء ‘النجوم’ درهماً واحداً من جيوبهم الخاصة. فالرحلات الجوية في درجات رجال الأعمال، والإقامة في أرقى الأجنحة الفندقية، ووجبات المطاعم المصنفة، وحتى الملابس والساعات التي يرتدونها، غالباً ما تكون ‘هدايا’ أو نتيجة تعاونيات تجارية مدفوعة الأجر. هؤلاء المؤثرون يبيعون في الواقع ‘الوصول’ إلى عقول وقلوب مئات الآلاف، بل وملايين المتابعين، مقابل نمط حياة يظهر للمشاهد العادي وكأنه جنة على الأرض، بينما هو في العمق مجرد لوحة إعلانية متحركة.

الأمر لم يتوقف عند حدود الإعلانات التقليدية للماركات، بل انتقل إلى ظاهرة ‘البث المباشر’ أو ما يعرف بـ ‘اللايفات’. هنا، ننتقل من الترويج للمنتجات إلى نوع من ‘التسول الرقمي’ المقنع تحت مسميات الدعم والتشجيع. هدايا افتراضية، ورود، وقلوب، تتحول في نهاية المطاف إلى دولارات في أرصدة المؤثرين. والمؤسف أن هذا النوع من المحتوى بدأ يطغى على حساب الجودة والإبداع، حيث أصبح اللاهثون وراء ‘التريند’ والمشاهدات مستعدين للتضحية بكل شيء، بما في ذلك خصوصية بيوتهم وأسرار علاقاتهم العائلية، فقط لجذب المزيد من التفاعل وضمان استمرار تدفق الأرباح.

لكن، ما هي ضريبة هذا المحتوى على المتابع البسيط؟ يؤكد الكثير من المتابعين أن هذا النوع من ‘الاستعراض’ ساهم في نشر ثقافة المقارنة الاجتماعية القاتلة. فجأة، وجدت العديد من النساء والشباب أنفسهم يقارنون حياتهم اليومية البسيطة والواقعية بصور ‘مثالية’ ومصطنعة تمر عبر عشرات ‘الفلاتر’ وتنسيق المصورين المحترفين. هذا الشعور بالنقص يخلق حالة من الإحباط وعدم الرضا الدائم عن الواقع.

وفي نهاية المطاف، لا يمكن لوم المؤثرين وحدهم؛ فنحن كجمهور نتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية. فنحن من نصنع مجدهم، ونحن من نمنحهم هذه الشهرة من خلال المتابعة المستمرة والتفاعل، مما يغذي هذه الدورة من الاستهلاك والزيف. إن عالم ‘المؤثرين’ اليوم بات يحتاج إلى وقفة تأمل، فخلف كل صورة لامعة وحياة مخملية، هناك حسابات تجارية دقيقة، وضريبة قاسية قد تدفعها القيم الاجتماعية والخصوصية الأسرية.