24 ساعة

جمهورية المسرح (11): سباق بـمتسابق واحد.. حين هزم بوتفليقة ظله في انتخابات 1999

في ربيع عام 1999، كانت الجزائر تحاول ببطء الخروج من أنفاق ‘العشرية السوداء’. بعد إعلان الرئيس اليمين زروال عن تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، تنفس الجزائريون الصعداء، ظناً منهم أن البلاد مقبلة على تجربة ديمقراطية حقيقية وتعددية سياسية بعد سنوات من الاضطراب. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن التغيير، وتحول الماراثون الانتخابي إلى مشهد درامي لا مثيل له في تاريخ البلاد.

بدأ السباق بسبعة مرشحين، بينهم أسماء وازنة كحسين آيت أحمد، ومولود حمروش، وأحمد طالب الإبراهيمي. كانت الأجواء تبشر بتنافس قوي بين تيارات سياسية متنوعة. بيد أن هذا المشهد سرعان ما انهار قبل يومين فقط من الموعد المقرر في 15 أبريل، عندما فجّر المرشحون قنبلة من العيار الثقيل؛ حيث اتهموا السلطات بالتجهيز لتزوير واسع النطاق، خاصة في صناديق الاقتراع المخصصة للجيش والمناطق الصحراوية المعزولة، والتي فُتحت قبل الموعد الرسمي بيومين.

لم تكن مجرد شكوك عابرة؛ فقد نقلت صحيفة ‘لوموند’ الفرنسية آنذاك أن المرشحين تحدثوا عن عمليات تزوير بدأت بالفعل في المكاتب المتنقلة ومراكز الاقتراع العسكرية. وبلغ الأمر ذروته حين انسحب ستة مرشحين بشكل جماعي في الرابع عشر من أبريل، احتجاجاً على غياب النزاهة. وصف البعض هذا الانسحاب بأنه ‘تطور دراماتيكي’، لكن السلطات رفضت التراجع، وأصر الرئيس زروال على المضي قدماً في العملية، داعياً الجزائريين للتصويت.

هكذا، وجد عبد العزيز بوتفليقة نفسه وحيداً في مضمار السباق، أو لنقل إنه كان يركض ضد ظله. كانت النتيجة محسومة مسبقاً في أروقة المؤسسة العسكرية وبعض الأحزاب الكبرى، لكن الانسحاب الجماعي للمنافسين كان لحظة سياسية فارقة، كشفت هشاشة النظام في محاولته لنيل شرعية شعبية دون التخلي عن قبضته الحديدية.

انتهت المسرحية بانتصار بوتفليقة، ليدخل قصر المرادية رئيساً ليس عبر معركة انتخابية طاحنة، بل عبر انسحاب خصومه من الحلبة. ظل هذا الحدث عالقاً في ذاكرة التاريخ الجزائري كنموذج فريد لانتخابات بدأت بتعددية وانتهت بمرشح واحد، وكأنها عرض مسرحي أُسدل ستاره قبل أن يبدأ حقيقةً.