لم يعد الجفاف في الجنوب الشرقي المغربي مجرد أزمة بيئية ترتبط بندرة المياه، بل تحول إلى وحش يلتهم مستقبل أجيال من فتيات الرحل. دراسة أكاديمية حديثة دقت ناقوس الخطر، كاشفة عن واقع مرير يعيشه إقليم تنغير، حيث أدى انحباس الأمطار الطويل إلى تعطيل مسارات التعليم لفتيات وجدن أنفسهن مجبرات على استبدال المحفظة المدرسية بمهام شاقة تفوق أعمارهن.
البحث الذي نشرته “المجلة الدولية للدراسات الجندرية المتعددة التخصصات”، وسلطت فيه الأستاذة المساعدة فاطمة الزهراء أوبني الضوء على معاناة نساء وفتيات جهة درعة تافيلالت، رسم صورة قاتمة للتحولات الاجتماعية التي فرضها المناخ. فمن خلال مقابلات مباشرة مع 17 من نساء وفتيات المنطقة، تبين أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة لم تترك للعائلات خياراً سوى التضحية بتعليم البنات.
تغيرت موازين القوى داخل الخيمة الواحدة؛ فبينما يضطر الرجال للهجرة نحو المدن بحثاً عن لقمة العيش، تبقى الفتيات في قلب المعركة لمواجهة الجفاف. لقد أصبحن المسؤولات الأوائل عن جلب المياه من مسافات بعيدة، وجمع الحطب، ورعاية الماشية التي تمثل شريان الحياة الوحيد للأسرة. هذه المهام اليومية المرهقة جعلت من الاستمرار في الحجرات الدراسية ترفاً لا تملكه هذه الفئات.
المثير للقلق في نتائج الدراسة هو تكريس التمييز بين الجنسين تحت ضغط الحاجة؛ ففي الحالات التي تتوفر فيها موارد شحيحة للتعليم، تعطى الأولوية دائماً للذكور، بينما تُسحب الفتيات بـ”هدوء” لتغطية العجز في العمالة المنزلية والرعوية. ولم يتوقف الأمر عند التعليم فحسب، بل امتد التأثير ليشمل حتى الأنماط الاجتماعية للزواج؛ حيث كشفت الدراسة أن انعدام الأمن الاقتصادي دفع ببعض الشابات إلى تأجيل فكرة الزواج أو رفضها تماماً للبقاء بجانب عائلاتهن المثقلة بالديون والهموم.
إنها قصة صراع من أجل البقاء، حيث لا تختار العائلات حرمان بناتها من العلم رغبةً في ذلك، بل كاستجابة اضطرارية لقسوة الطبيعة التي لم تعد ترحم. يبقى السؤال المطروح أمام صناع القرار: كيف يمكن حماية حق هذه الفئات في التعليم وسط تقلبات مناخية تزداد حدة يوماً بعد يوم؟