على شاطئ سيدي إفني الجنوبي، حيث تعانق أمواج المحيط الأطلسي رمال المملكة، يبرز ‘تلفريك’ المدينة كأيقونة شاهقة في السماء، متحدياً تقلبات الطقس وقسوة الزمن. هذا الهيكل الحديدي والخرساني ليس مجرد أطلال قديمة، بل هو شاهد صامت على حقبة استعمارية بائدة، لا يزال يقاوم رغم الإهمال الذي طاله لعقود.
بدأت قصة هذا المعلم الفريد في الفترة ما بين 1962 و1965، حين كان الهدف منه إيجاد حل عبقري لربط السفن القادمة من إسبانيا باليابسة، بعدما عجزت الموانئ التقليدية عن الصمود أمام تراكم الرمال الذي كان يمنع رسو السفن. بفضل خبرة المهندسين الفرنسيين وميزانية تجاوزت أربعة ملايين دولار، شُيّد هذا المشروع الطموح باستخدام مواد بناء جلبت خصيصاً من جزر الكناري، ليصبح واحداً من أبرز المشاريع الهندسية في أفريقيا آنذاك.
لمدة تزيد عن عقد من الزمن، كان ‘التلفريك’ يمثل شريان الحياة للمدينة، حيث كانت عرباته تنقل أكثر من 300 مسافر في الساعة الواحدة، إلى جانب أطنان من السلع عبر كابلات عملاقة معلقة. وبعد توقفه عن العمل عام 1975، تلاشت أدوار هذا المرفق ليحل محله ميناء عصري سنة 1989، تاركاً وراءه أبراجاً خرسانية تصارع الرطوبة وملوحة البحر.
وفي حديثه عن هذا الإرث، يقول محمد سالكي، أحد أبناء المدينة، بحسرة محب: ‘كان التلفريك القلب النابض لسيدي إفني، ورغم الصمت الذي يخيم عليه اليوم، إلا أن هيكله لا يزال صامداً، ويمكن إحياؤه من جديد إذا توفرت الإرادة للترميم’. ومن جانبه، يرى يوسف، المهتم بتاريخ المدينة، أن هذا المشروع يمثل استثناءً تاريخياً وثقافياً، مؤكداً أن إعادة تأهيله كوجهة سياحية قد يغير وجه المدينة الاقتصادي بشكل جذري.
حتى السياح الأجانب لم يخفوا إعجابهم؛ حيث يقول السائح ‘جوناثان’ وهو يراقب ضخامة الأبراج: ‘لا يمكن للزائر إلا أن يشعر بهيبة التاريخ هنا، المكان فريد، وأرى فيه فرصة ذهبية لجذب السياح وربط المنطقة برحلات بحرية استثنائية’.
اليوم، الكرة في ملعب مجلس جهة سوس ماسة ووزارتي الثقافة والسياحة، لتسطير فصل جديد في حياة هذا المعلم، وتحويله من مجرد ذكرى متهالكة إلى مشروع سياحي متكامل يدمج بين التاريخ والتنمية، ليمنح سيدي إفني دفعة قوية تليق بعراقتها.