يبدو أن رياح التغيير بدأت تهب على العاصمة العراقية بغداد، حيث يتصدر مشهد ‘نزع سلاح الفصائل’ واجهة الأحداث السياسية في تحرك يحمل في طياته الكثير من التعقيدات والرهانات الكبرى. الائتلاف الحاكم اليوم لا يكتفي بمجرد إطلاق الشعارات، بل يمضي قدماً نحو دراسة ما يُوصف بـ ‘الإطار النظري’ لإعادة هيكلة منظومة الحشد الشعبي وتغيير تراتبية القيادة فيه، في خطوة يراها البعض محاولة جادة لضبط إيقاع السلاح تحت سقف الدولة.
هذه التحركات لم تمر دون لغط أو تشكيك؛ فقد تواترت أنباء متضاربة حول إقدام فصيلين بارزين على تسليم أسلحتهما الثقيلة، لكن الشكوك لا تزال تلاحق هذه الخطوة في الأوساط السياسية. ففي كواليس القرار ببغداد، ثمة من يهمس بأن الأمر لا يتعدى كونه ‘عملية شكلية’ تهدف إلى جس نبض الإدارة الأمريكية، ومعرفة المدى الذي يمكن أن تصل إليه الضغوط الخارجية في هذا الملف الشائك الذي ظل لسنوات ‘خطاً أحمر’ لا يمكن تجاوزه.
ولا يمكن فصل هذا الحراك السياسي عن ‘لغة المال’ التي باتت تتقنها واشنطن جيداً في تعاملها مع الملف العراقي. فقد أكدت مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة قررت أخيراً الإفراج عن شحنات الدولار الموجهة إلى العراق بعد فترة من التجميد المؤقت؛ وهو التجميد الذي لم يكن في واقع الأمر سوى أداة ضغط قوية استخدمتها واشنطن لدفع بغداد نحو اتخاذ خطوات ملموسة وحاسمة في ملف تفكيك الفصائل المسلحة التي تقلق راحة الفاعلين الدوليين.
وسط هذه العواصف، يواصل رئيس الحكومة المكلف، علي الزيدي، مشاوراته الماراثونية لتشكيل فريقه الوزاري الجديد. الزيدي، الذي يدرك جيداً حجم التحديات التي تنتظره، شدد خلال زيارته الأخيرة إلى أربيل على ضرورة إنهاء الحزب الديمقراطي الكردستاني لمقاطعته، والعودة للانخراط الكامل في المسار السياسي الحكومي لضمان توازن القوى. ويبدو أن هذه الدعوة وجدت صدى طيباً لدى مسرور بارزاني، الذي تحدث بنبرة تفاؤلية عن ‘فرصة جديدة’ تلوح في الأفق لحل الخلافات العالقة بين المركز والإقليم بشكل جذري ونهائي.
بين مطرقة ضغوط واشنطن وسندان التوازنات الداخلية المعقدة، يجد العراق نفسه أمام اختبار حقيقي لاستعادة سيادة القرار الأمني. فهل تنجح حكومة الزيدي المرتقبة في تحويل ‘الإطار النظري’ لنزع السلاح إلى واقع ملموس ينهي حقبة السلاح المنفلت، أم أن المصالح السياسية الضيقة ستظل العقبة الكأداء أمام استقرار بلاد الرافدين؟ الأيام القليلة القادمة ستكون بلا شك حاسمة في رسم ملامح المرحلة المقبلة.