لم تعد ‘المنحة الجامعية’ في عرف الطالب المغربي مجرد دعم مالي تكميلي، بل تحولت إلى شريان حياة حقيقي يضمن الحد الأدنى من الاستقرار المادي والنفسي لمواصلة المشوار الأكاديمي. لكن، وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه الآلاف بفارغ الصبر الإفراج عن مستحقاتهم، وجد قطاع واسع من الطلبة أنفسهم في مواجهة ‘فيتو’ إداري وتقني غير مفهوم، حرمهم من حقهم المشروع تحت مبررات ‘أخطاء في النظام’.
وتتوالى صرخات الاستغاثة من مختلف الجامعات والمعاهد، حيث يشتكي عدد كبير من الطلبة من مشاكل تقنية معقدة في منصة ‘منحتي’. لعل أبرز هذه الحالات تتعلق بالطلبة الذين اختاروا تغيير مسارهم الدراسي، سواء بالانتقال من سلك التكوين المهني إلى الجامعة أو العكس؛ إذ يبدو أن النظام المعلوماتي لم يستوعب هذه الحركية، مما جعل ملفاتهم عالقة في ‘برزخ’ إداري لا هوية له. والأدهى من ذلك، هو ما كشف عنه طلاب يتابعون دراستهم في سلك الباكالوريا، حيث فوجئوا بتصنيفهم في المنصة كـ ‘تقنيين متخصصين’، وهو خطأ تقني فادح أدى آلياً إلى إقصائهم أو تعقيد مساطر استفادتهم بشكل يبعث على الحيرة.
هذا الوضع لم يتوقف عند حدود ‘الخطأ التقني’، بل امتدت آثاره لتضرب القدرة الشرائية والنفسية للطلبة وأسرهم. فبين مطرقة غلاء المعيشة وسندان مصاريف الكراء والنقل والتنقل، يجد الطالب نفسه عاجزاً عن تأمين لوازمه الأساسية. المنحة اليوم ليست امتيازاً، بل هي ضرورة لضمان تكافؤ الفرص، وغيابها يعني ببساطة تهديد مسار الطالب الدراسي بالانقطاع والفشل، خاصة بالنسبة للقادمين من أوساط هشّة.
والمثير للاستغراب في هذه ‘النازلة’ هو الصمت المطبق الذي تنهجه الجهات الوصية. فرغم تزايد الشكاوى وتعدد الحالات المسجلة في مختلف المدن المغربية، لم يصدر حتى الآن أي توضيح رسمي يكشف أسباب هذه الاختلالات أو يضع خارطة طريق لمعالجة الملفات العالقة. هذا ‘الفراغ التواصل’ زاد من حدة الاحتقان، وجعل الطلبة يتساءلون عن جدوى الرقمنة إذا كانت ستتحول إلى عائق بدلاً من أن تكون وسيلة للتيسير.
إنصاف هؤلاء المتضررين بات ضرورة ملحة لا تقبل التأجيل. فالأمر لا يتطلب معجزات، بل إرادة إدارية وتدخلاً تقنياً عاجلاً لتصحيح الأخطاء البرمجية وتحديث المعطيات بشكل صحيح. العدالة الاجتماعية تبدأ من ضمان حق الطالب في منحة تحميه من ذل الحاجة، ولا يعقل أن يضيع مستقبل شاب طموح بسبب ‘كود’ برمجي خاطئ أو سوء تنسيق بين مؤسسات الدولة.