24 ساعة

بعد مغادرة القضبان.. الناظور تحتضن نقاشا حقوقيا حول ‘الرعاية اللاحقة’ للأطفال في تماس مع القانون

لم يكن مقر هيئة المحامين بمدينة الناظور مجرد فضاء لاحتضان ندوة علمية عابرة، بل تحول إلى منصة فكرية وحقوقية رفيعة المستوى، وضعت واحدا من أكثر الملفات حساسية تحت المجهر: ‘الرعاية اللاحقة للأطفال المفرج عنهم’. هذا اللقاء لم يأتِ من فراغ، بل كان استجابة لضرورة ملحة تفرضها التحولات العميقة التي يشهدها نظام العدالة الجنائية في المغرب، والحاجة إلى نفس جديد في التعامل مع فئة الأحداث.

الندوة التي جمعت بين جدرانها مسؤولين قضائيين، وبرلمانيين، وأساتذة جامعيين، إلى جانب فاعلين مدنيين، سعت بوضوح إلى رسم ملامح ‘فلسفة جديدة’ لعدالة الأحداث. فلسفة لا تكتفي بالنصوص القانونية الجافة، بل تبحث عن توازن دقيق بين الالتزامات الدولية للمملكة والمصلحة الفضلى للطفل، التي يجب أن تظل فوق كل اعتبار قانوني أو إجرائي.

منذ اللحظات الأولى لانطلاق الأشغال، ساد شعور بأن حماية الطفولة في تماس مع القانون هي المرآة الحقيقية لنضج التجربة الحقوقية الوطنية. وقد ركز المتدخلون في الجلسات الأولى على حتمية الانتقال من المقاربة الزجرية الكلاسيكية التي تعتمد على ‘العقاب’، إلى مقاربة إصلاحية وتأهيلية شاملة تتطلب تظافر جهود الجميع، من القضاء إلى المؤسسات الاجتماعية. الهدف هنا واضح: أن تكون فترة الاعتقال مجرد محطة عابرة للإصلاح، لا مدرسة لتخريج ‘العود الإجرامي’ أو مصنعا للهشاشة النفسية.

وفي قلب النقاش، برزت قضية ‘الرعاية اللاحقة’ كحلقة وصل محورية تحدد مصير منظومة الإدماج برمتها. فخروج الحدث من أسوار المؤسسة لا يعني انتهاء مسؤولية الدولة، بل يضعها أمام تحدٍ أكبر: كيف نحمي هذا الطفل من ‘وصمة العار’ المجتمعية؟ وكيف نمنع ارتماءه مجددا في أحضان الانحراف؟

الإجابة، حسب ما دار في القاعة، تكمن في تطوير سياسات عمومية مندمجة تتجاوز التدبير الإداري البسيط، لتشمل مواكبة نفسية دقيقة، وإدماجا حقيقيا في منظومة التكوين المهني، وتفعيل آليات الوساطة الأسرية لضمان تقبل الوسط الاجتماعي لهذا الطفل العائد. كما استفاض المتحدثون في تحليل السياسة الجنائية المغربية، مؤكدين أن دور القاضي اليوم لم يعد مقتصرا على النطق بالأحكام، بل امتد ليصبح دورا حمائيا بامتياز، يسهر على تتبع مسارات التأهيل وتنزيل الاتفاقيات الدولية على أرض الواقع.

ولم يخلُ اللقاء من نقاش صريح حول التحديات القانونية والمؤسساتية التي تعرقل أحيانا سلاسة الإدماج، حيث ارتفعت الأصوات بضرورة تعزيز التنسيق بين المؤسسات الرسمية والجمعيات الحقوقية، معتبرين المجتمع المدني شريكا استراتيجيا في بناء جسور الثقة بين الطفل المفرج عنه ومحيطه.

اختتمت الندوة أشغالها بفتح باب التفاعل مع الجمهور الذي غصت به القاعة، في مشهد يعكس وعيا مجتمعيا متزايدا بحجم المسؤولية الملقاة على عاتق الجميع. وتوجت هذه اللقاءات بتكريم وجوه حقوقية وقضائية قدمت الكثير للساحة الوطنية، وسط إشادة واسعة بضرورة استمرارية هذا النقاش العمومي في مدينة الناظور، وتحويل هذه التوصيات إلى برامج عمل واقعية تضمن للأطفال حقهم في مستقبل جديد، بعيدا عن قيود الماضي وضغوط الانحراف.