لم تكن النسخة الأخيرة من كأس أمم إفريقيا مجرد تظاهرة رياضية عابرة في أجندة المملكة، بل تحولت إلى محطة مفصلية عكست نضج النموذج المغربي وقدرته على الصمود أمام التحديات. وفي قراءة هادئة وعميقة لما بعد البطولة، بعث الملك محمد السادس بخمس رسائل جوهرية، لم تكتفِ بتوصيف المشهد الرياضي، بل رسمت خطوطاً سياسية واضحة لمكانة المغرب القارية.
أولى هذه الرسائل كانت بمثابة «جدار صد» أمام محاولات النيل من سمعة المملكة؛ حيث واجه الملك مباشرة حملات التبخيس والتشويش التي حاولت التشويش على النجاح التنظيمي. وبنبرة ملؤها الثقة، أكد العاهل المغربي أن هذه «المناورات العدائية» لن تبلغ غاياتها أبداً، مشدداً على أن المغاربة يمتلكون من الوعي ما يكفي للتمييز بين الأمور وعدم الانجرار وراء دعوات الفتنة، معتبراً أن الروابط التاريخية التي تجمع الشعوب الإفريقية أقوى من أي ضغوط عابرة.
وبخصوص ما شهدته الدقائق الأخيرة من النهائي بين المغرب والسنغال من أحداث مؤسفة، جاء الموقف الملكي متوازناً وحكيماً. ففي الوقت الذي وصف فيه تلك السلوكيات بـ «المؤسفة للغاية»، رفض أن يتم اختزال نجاح البطولة في تلك اللحظات المتشنجة. الرسالة هنا كانت واضحة: الأخوة الإفريقية ستنتصر في النهاية بمجرد هدوء العواطف، ونجاح المغرب في التنظيم هو في الأصل نجاح لكل القارة السمراء.
وعلى صعيد التنمية، اعتبر الملك أن استضافة «الكان» كانت بمثابة اختبار حقيقي للمسار التنموي الذي تنتهجه البلاد. فالموضوع يتجاوز كرة القدم ليكون دليلاً على كفاءة المؤسسات المغربية وقدرتها على تنزيل رؤية استراتيجية تضع المواطن في قلب الطموحات الوطنية. هذا النجاح لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج استثمارات مستدامة في البنية التحتية والرياضة، توجت بتبوء المنتخب الوطني للمركز الثامن عالمياً.
وفي لمسة إنسانية ووطنية، أشاد الملك بالدعم الشعبي المنقطع النظير من ملايين المغاربة، معتبراً هذا الالتفاف الجماهيري «رأسمالاً استراتيجياً». كما خص بالذكر لاعبي المهجر الذين اختاروا الدفاع عن قميص الوطن بكل فخر واعتزاز، مؤكداً أن ما تحقق كان مجهوداً وطنياً جماعياً شارك فيه كل مواطن في المدن المستضيفة وخارجها، وليس مجرد عرض حكومي، وهو ما جعل العالم يقف احتراماً للتجربة المغربية المتفردة.