لطالما شكلت العلاقات بين الرباط وداكار نموذجاً استثنائياً في القارة السمراء، فهي ليست مجرد روابط دبلوماسية عابرة، بل هي تحالف استراتيجي ضارب في عمق التاريخ والجغرافيا. اليوم، يواصل المغرب والسنغال تعزيز هذا المحور الذي بات يمثل صمام أمان للاستقرار الإقليمي وقاطرة للتنمية الاقتصادية في منطقة غرب إفريقيا.
المتأمل في طبيعة التحركات الأخيرة يدرك أن البلدين قد انتقلا من مرحلة التنسيق السياسي التقليدي إلى مرحلة الاندماج الاقتصادي الفعلي. فالمشاريع الضخمة التي تجمع الطرفين، وعلى رأسها أنبوب الغاز النيجيري المغربي الذي يمر عبر السنغال، تعكس رؤية مشتركة تهدف إلى تحقيق السيادة الطاقية وتوفير فرص شغل لآلاف الشباب في المنطقة. إنها لغة المصالح المشتركة التي تُصاغ بكثير من الحكمة والتبصر.
وعلى الصعيد السياسي، تظل السنغال من أبرز المدافعين عن الوحدة الترابية للمملكة، وهو موقف ثابت لا يتزعزع، يترجم عمق الروابط الروحية والإنسانية التي تجمع الشعبين. هذا التناغم يظهر جلياً في المحافل الدولية، حيث يتبنى البلدان مواقف موحدة تجاه القضايا الكبرى، من مكافحة الإرهاب في الساحل والصحراء إلى مواجهة تحديات التغير المناخي التي تضرب القارة بقوة.
لا يمكن الحديث عن هذا المحور دون الإشارة إلى الدور الريادي للقطاع الخاص المغربي في السنغال؛ فالأبناك والشركات المغربية باتت جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاقتصادي السنغالي، مما يساهم في نقل الخبرات وتوطين الاستثمارات. هذا التعاون «جنوب-جنوب» الذي ينادي به الملك محمد السادس، يجد في السنغال أرضية خصبة للتطبيق، محولاً الشعارات إلى واقع ملموس يلمسه المواطن البسيط في حياته اليومية.
في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، يثبت المغرب والسنغال أن التحالفات المبنية على الصدق والوضوح هي الوحيدة القادرة على الصمود. إنها شراكة لا تكتفي بالحاضر، بل تستشرف المستقبل بروح من التفاؤل والعمل المشترك، لتؤكد أن إفريقيا قادرة على كتابة مصيرها بيد أبنائها.