24 ساعة

الصحة المدرسية في المغرب: رحلة معاناة بين أروقة المستشفيات و‘البحث عن الورقة المفقودة‘

هل يعقل أن يتحول طلب أبسط الحقوق الدستورية، وهو الحق في العلاج، إلى كابوس يومي يؤرق بال الأسر المغربية؟ إن المشهد يتكرر بمرارة في مراكزنا الصحية؛ حيث يضطر أولياء الأمور لاصطحاب أطفالهم، ممن أنهكهم المرض، ليفاجأوا عند الباب بجملة باتت تقض مضاجع الجميع: ‘اذهب وأحضر ورقة من المدرسة تثبت أنك تلميذ’.

هذه العبارة ليست مجرد إجراء إداري، بل هي جدار عازل يحرم أطفالنا من حق أصيل كفله دستور 2011 في فصله الـ31، الذي يلزم الدولة والمؤسسات العمومية بتعبئة كل الوسائل المتاحة لضمان حق المواطنين في العلاج والحماية الاجتماعية على قدم المساواة. ولنا أن نتخيل معاناة تلاميذ العالم القروي، الذين يقطعون المسافات الطويلة، وسط قسوة البرد ووعورة المسالك، ليصلوا في الأخير إلى أقسام المستعجلات، ليجدوا أنفسهم أمام باب مسدود بسبب غياب ‘شهادة التمدرس’.

من الناحية القانونية والواقعية، يفترض أن تقدم المراكز الصحية العمومية خدماتها الأساسية، من استشارات وأدوية، لكل مواطن، فما بالك بالتلميذ؟ لقد سمعنا كثيراً عن ‘الاتفاقية الإطار’ المبرمة بين وزارتي التربية الوطنية والصحة لتعزيز الصحة المدرسية، ولتقريب الخدمات العلاجية من المؤسسات التعليمية. لكن، أين نحن من هذا على أرض الواقع؟ الحقيقة المرة التي يلمسها الفاعلون الميدانيون هي ضعف في تنزيل هذه البرامج، وغياب شبه تام لآليات التتبع الصحي الدوري الذي يسمح بالتدخل الاستباقي قبل تفاقم الحالات المرضية.

إن غياب الرصد المبكر لمشاكل النظر، أو السمع، أو سوء التغذية لدى الناشئة، لا ينعكس فقط على صحتهم الجسدية، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر على تحصيلهم الدراسي ومستقبلهم التعليمي.

نضع اليوم هذا الملف على طاولة المسؤولين: كفانا تقييداً لحقوق الأطفال ببيروقراطية لا تغني ولا تسمن من جوع. إن تسهيل ولوج التلاميذ للخدمات الصحية ليس ‘منحة’، بل هو استثمار حقيقي في رأسمالنا البشري. آن الأوان لنضع حداً لهذه الرحلات الشاقة التي يقطعها التلاميذ نحو المستشفيات، لنعيدهم في الأخير إلى مؤسساتهم التعليمية من أجل ورقة! فالإنسان، قبل أن يكون تلميذاً أو موظفاً أو متقاعداً، هو روح تستحق الرعاية دون شروط إدارية معقدة.