لم تكن إشادة الرئيس السنغالي، باسيرو ديوماي فاي، بتنظيم المغرب لبطولة كأس أمم إفريقيا مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل جاءت لتعكس عمقاً استثنائياً في العلاقات التي تجمع الرباط ودكار. ففي تصريح مفعم بالتقدير، وجه فاي شكره الجزيل للملك محمد السادس وللشعب المغربي على حفاوة الاستقبال التي حظيت بها البعثة السنغالية، منوهاً بالمجهودات الجبارة التي بذلتها المملكة لإنجاح هذا العرس الكروي القاري.
وبعيداً عن المستطيل الأخضر وصيحات الجماهير، يرى المراقبون أن هذه الإشادة هي واجهة لجبل جليد من التعاون المتين؛ فالعلاقات المغربية السنغالية التي تأسست رسمياً عام 1960، تحولت مع مرور العقود إلى نموذج يحتذى به في التعاون جنوب-جنوب. ولغة الأرقام تتحدث بوضوح هنا، حيث قفز حجم التبادل التجاري من حوالي 98 مليون دولار في 2010 إلى نحو 370 مليون دولار بحلول عام 2024، في مسار تصاعدي يعكس رغبة البلدين في استثمار كافة الفرص المتاحة.
وعلى المستوى الميداني، يبرز الحضور المغربي في السنغال من خلال استثمارات وازنة في قطاعات حيوية كالبنوك، والتأمين، والإنشاءات، والزراعة. ولعل الخط الملاحي المباشر الذي تم إطلاقه مؤخراً بين مينائي أكادير ودكار يمثل ثورة في اللوجستيك، إذ يقلص التكاليف والزمن، ويفتح آفاقاً أرحب للمصدرين المغاربة نحو أسواق غرب إفريقيا. كما لم يتوقف التعاون عند هذا الحد، بل امتد ليشمل البنية التحتية السككية واتفاقيات التنمية المستدامة والانتقال الطاقي.
أما سياسياً، فتظل السنغال من أوفى حلفاء المملكة، وهو ما تجسد في مواقفها الثابتة بدعم مغربية الصحراء، وافتتاحها لقنصلية عامة في مدينة الداخلة سنة 2021. هذا التناغم السياسي يوازيه ترابط روحي وثقافي وثيق، تغذيه الزوايا الصوفية، وعلى رأسها الطريقة التيجانية، التي تشكل جسراً وجدانياً يربط بين الشعبين منذ قرون.
إن ما يجمع المغرب والسنغال اليوم هو شراكة مصيرية تتجاوز المصالح الآنية، لتشمل تكوين الطلبة، وتبادل الخبرات التقنية، والتنسيق الأمني والسياسي في المحافل الدولية، مما يجعل من دكار والرباط محوراً للاستقرار والتنمية في القارة السمراء.