24 ساعة

البراغماتية الاقتصادية: ملامح النظام الدولي الجديد

يشهد النظام الدولي تحولات هيكلية تعيد تشكيل موازين القوى، مع بروز ‘البراغماتية الاقتصادية’ كوجهة أولى لإدارة العلاقات الدولية. فبعد سنوات هيمنت فيها التوترات الجيوسياسية والمواجهات المباشرة، أدركت القوى الكبرى أن كلفة النزاعات المفتوحة باتت تهدد سلاسل الإمداد والأسواق المالية العالمية.

لم تعد الأهداف الاستراتيجية للدول مقتصرة على حسم الخلافات، بل أضحت تركز على ‘إدارة النزاعات’ لتجنب الصدمات الاقتصادية الكبرى. وأصبحت التجارة والاستثمارات المتقدمة وأمن الطاقة أدوات نفوذ أكثر فاعلية من الاستعراض العسكري، مما جعل الاستقرار الاقتصادي ضرورة استراتيجية قصوى، خاصة في ظل الأزمات المتراكمة بدءاً من التضخم العالمي وصولاً إلى اضطرابات سلاسل التوريد.

وتعد العلاقة بين الولايات المتحدة والصين النموذج الأبرز لهذا التحول؛ فرغم التنافس الحاد في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، لا تزال القوتان مرتبطتين بمصالح اقتصادية تمنع الانفصال الكامل. وبدلاً من المواجهة الشاملة، تتبنى الدول استراتيجيات ‘خفض التصعيد المسيطر عليه’ للحفاظ على قنوات التواصل الضرورية.

في هذا الإطار، تراجع دور الأيديولوجيا لصالح المصالح المادية، وهو ما يجسد المثل القائل إن ‘المصالح تتصالح’. وقد عززت العولمة من دور الفاعلين غير الحكوميين، من شركات عابرة للقارات وصناديق سيادية، الذين باتوا يمارسون تأثيراً يتجاوز في بعض الأحيان قدرة الدول التقليدية.

لقد أصبحت السيادة اليوم مرتبطة بالقدرة على تأمين موارد الطاقة، والتكنولوجيا، والسيادة الرقمية، والأمن الغذائي. ومع هذه التحولات، باتت القوة الدولية تُقاس بالقدرة على وضع المعايير التقنية، والتحكم في الشبكات المالية، وتوجيه تدفقات التجارة العالمية، مما يؤكد أن النظام الدولي يتجه نحو واقع جيواقتصادي جديد يفرض حدوده على صراعات القوى الكبرى.