لم تمر حادثة توقيف عدد من المشاركين المغاربة في ما يعرف بـ ‘أسطول الحرية والقدرة’ من طرف السلطات الإسرائيلية مرور الكرام، بل فجّرت موجة عارمة من النقاشات والردود المتباينة على منصات التواصل الاجتماعي بالمملكة. الحادثة التي طالت أطباء ونشطاء حقوقيين، وضعت الرأي العام أمام تساؤلات عميقة تجاوزت الطابع الإنساني للرحلة لتلامس حسابات السياسة والجدوى والمصلحة الوطنية.
بمجرد انتشار الخبر، عجّت منصات ‘فيسبوك’ و’إكس’ بتعاليق انقسمت بين من يرى في الخطوة واجباً تضامنياً، وبين من رفع شعار ‘اشداكم عندهم’، في إشارة إلى أن المشاركين كانوا على دراية تامة بالمخاطر المحدقة وبصعوبة الوصول إلى شواطئ غزة في ظل التوترات الأمنية الخانقة التي تشهدها المنطقة. هؤلاء المنتقدون اعتبروا أن المغامرة في مثل هذه الظروف قد تكون ‘مجازفة غير محسوبة’ لا تخدم القضية بقدر ما تخلق أزمات قنصلية معقدة.
جانب آخر من الجدل ركّز بشكل خاص على مشاركة الكفاءات الطبية المغربية في هذه الرحلة. وفي هذا الصدد، انتقد نشطاء ما وصفوه بـ ‘تجاهل الاحتياجات الداخلية’، مؤكدين أن المناطق النائية والجبلية في المغرب هي الأولى بهذه الخبرات الطبية والتدخلات الإنسانية، عوض التوجه نحو بؤر توتر دولية معقدة تتداخل فيها الحسابات الجيوسياسية. واعتبر أصحاب هذا الطرح أن ‘الأقربون أولى بالمعروف’، خاصة في ظل الخصاص الذي تعانيه بعض القرى والمداشر المغربية في التغطية الصحية والخدمات الطبية الأساسية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد النقاش إلى ما وصفه البعض بـ ‘التناقض الصارخ’ في المواقف. فبينما يتبنى هؤلاء النشطاء عادةً خطاباً يرفض ‘التطبيع’ جملة وتفصيلاً، وجدوا أنفسهم يطالبون الدولة المغربية بالتدخل العاجل عبر قنواتها الرسمية لمتابعة وضعية المعتقلين والتواصل مع السلطات المعنية لتأمين عودتهم إلى أرض الوطن. هذا التناقض، حسب المنتقدين، يضع فاعلي المجتمع المدني في موقف حرج، حيث يُطلب من الدولة ممارسة أدوارها الدبلوماسية مع طرف يرفض هؤلاء النشطاء أي اعتراف بوجود علاقات معه.
بين التضامن العاطفي والنقد الواقعي، تظل قضية معتقلي ‘أسطول الحرية’ من المغاربة مادة دسمة تظهر انقسام الرأي العام حول كيفية التعبير عن التضامن مع القضايا الخارجية، في وقت يرى فيه قطاع واسع من المغاربة أن الجبهة الداخلية وتحدياتها الاجتماعية هي التي يجب أن تتصدر الأولويات.