في خطوة طال انتظارها من قبل آلاف المهاجرين الذين يعيشون في ‘الظل’ فوق الأراضي الإسبانية، أعلن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز عن انطلاق عهد جديد لسياسة الهجرة في الجارة الشمالية للمغرب. هذا التحول الجذري ليس مجرد قرار إداري عابر، بل هو طوق نجاة لنحو نصف مليون شخص يتطلعون إلى الاندماج بشكل قانوني في المجتمع الإسباني وطي صفحة ‘السرية’ التي رافقتهم لسنوات.
القرار الذي صادق عليه مجلس الوزراء يوم الثلاثاء، يأتي في قالب ‘مرسوم ملكي’ يهدف بالأساس إلى إخراج المهاجرين غير النظاميين من دائرة التهميش إلى فضاء العمل القانوني. وبحسب لغة الأرقام التي ساقها سانشيز، فإن هذه المبادرة الاستثنائية تراهن على تقوية الاقتصاد الوطني عبر استقطاب سواعد جديدة تساهم في دفع عجلة الإنتاج وضخ دماء جديدة في سوق الشغل الذي يعاني من خصاص واضح في عدة قطاعات حيوية.
ما يهم ‘الحراقة’ والمقيمين بشكل غير قانوني في هذا الصدد، هو أن العملية ستشمل كل من أثبت تواجده في إسبانيا قبل نهاية شهر ديسمبر 2025. غير أن الشرط الأساسي لا يتوقف عند التواجد فحسب، بل يمتد ليشمل ضرورة إثبات الإقامة الفعلية لمدة لا تقل عن خمسة أشهر، مع ضرورة التوفر على سجل عدلي نظيف يخلو من أي سوابق إجرامية. هذه الشروط تعتبر، في نظر المراقبين، ‘ميسرة’ إلى حد كبير مقارنة بالتعقيدات والمساطر القانونية الصارمة التي كانت مفروضة في السنوات الماضية.
إن هذا التوجه الجديد لا يخدم المهاجرين فقط، بل يمثل استراتيجية ذكية لإنقاذ صناديق الضمان الاجتماعي الإسبانية. فبمجرد دخول هؤلاء الأشخاص إلى الدورة الاقتصادية الرسمية، ستبدأ المساهمات المالية والضرائب في التدفق، مما يقلص حجم الاقتصاد غير المهيكل الذي استنزف طاقات كبيرة في الماضي. إنها معادلة ‘رابح-رابح’ يسعى من خلالها سانشيز إلى ضرب عصفورين بحجر واحد: معالجة الأزمة الإنسانية والحقوقية للمهاجرين، وتحقيق انتعاشة اقتصادية مدروسة.
سانشيز أكد في تصريحاته أن حكومته اختارت التعامل بواقعية مع ملف الهجرة، فبدل ترك مئات الآلاف في وضعية هشة وبدون حقوق، اختارت مدريد منحهم بطائق إقامة وعمل قابلة للتجديد. ومع دخول هذا القرار حيز التنفيذ، تتجه الأنظار الآن إلى مكاتب الأجانب في مختلف المدن الإسبانية، من مدريد وبرشلونة وصولاً إلى الجنوب في ملقة وإشبيلية، حيث من المتوقع أن تشهد إقبالاً تاريخياً من طرف المهاجرين الحالمين ببدء حياة جديدة تحت الشمس.