في وقت يسارع فيه المغرب الخطى نحو تعميم الرقمنة في مختلف القطاعات السيادية، احتضنت مدينة وجدة، يوم الثلاثاء 28 أبريل، نقاشا علميا وازنا تمحور حول ‘الأمن الصحي الرقمي’، واضعا ‘مناعة’ المعطيات الشخصية للمرضى تحت مجهر المساءلة القانونية والتقنية. الندوة التي نظمها معهد النوري للتكنولوجيا والعلوم (I.N.T.S) بشراكة مع كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الأول بوجدة، لم تكن مجرد لقاء أكاديمي عابر، بل كانت صرخة مهنية لمواكبة التحولات التكنولوجية الكبرى بحذر قانوني.
وخلال مداخلته التحليلية العميقة، أكد البروفيسور معاذ النوري، مدير معهد النوري ومصحة الشفاء بوجدة، أن الاعتقاد السائد بأن الرقمنة هي مجرد ‘تسهيل إداري’ هو تصور قاصر ومجانب للصواب، مشددا على أنها في جوهرها مسؤولية أخلاقية وقانونية جسيمة. النوري فكك في عرضه ثلاث نقاط محورية؛ أولاها الفجوة المقلقة بين النصوص التشريعية والواقع الميداني، مشيرا إلى أنه رغم مرور سنوات على صدور القانون 09.08، إلا أن التطبيق لا يزال يواجه ‘مقاومة تقنية’ ونقصا في التكوين المستمر للأطر الطبية حول سبل حماية سرية البيانات في الفضاء الرقمي المفتوح.
وحذر المتحدث من أن ارتهان المصحات والمستشفيات لـ ‘الملف الطبي الرقمي’ المرتبط بالشبكة العنكبوتية يجعل ‘كرامة المريض’ وخصوصيته الطبية عرضة لهجمات الجريمة الإلكترونية العابرة للحدود. هذا الواقع يفرض، حسب النوري، الاستثمار في ‘جدران حماية’ رقمية صلبة توازي في أهميتها الاستثمار في المعدات الطبية المتطورة. كما عرج على المادة 24 من القانون المغربي، معتبرا إياها ‘عهدا غليظا’ يربط الطبيب بالبيانات، وأي إخلال بها هو ضرب في صميم الأمانة المهنية.
من جانبه، اعتبر الدكتور خالد الشيات، أستاذ العلوم القانونية بجامعة محمد الأول، أن التكامل بين الطب والقانون هو السبيل الوحيد لضمان عدم تحول التطور التكنولوجي إلى أداة لانتهاك الحريات الفردية. وأوضح الشيات أن المعطيات الصحية ليست مجرد أرقام تقنية، بل هي جزء لا يتجزأ من كيان الإنسان وخصوصيته التي كفلها الدستور المغربي.
الندوة التي شهدت نقاشات تفاعلية غنية، عرفت مشاركة خبراء في القانون والأمن الرقمي؛ حيث بسط الدكتور عبد الرزاق البطاهري ‘التبعات المدنية’ التي قد تترتب على المؤسسات الاستشفائية في حال وقوع تسريبات للبيانات، فيما ركزت الدكتورة فرجي فدوى على ‘أخلاقيات الرقمنة’، معتبرة أن النصوص القانونية تظل روحا بلا جسد دون وجود ‘ضمير مهني’ يقظ.
وخلص المشاركون في هذا اللقاء العلمي إلى أن التحدي الحقيقي الذي يواجه القطاع الصحي بالمغرب اليوم ليس هو ‘امتلاك التكنولوجيا’ بحد ذاته، بل في القدرة على ‘السيطرة على مخاطرها’. وخرجت الندوة بتوصيات تدعو إلى ضرورة تحيين الترسانة القانونية لمواكبة السرعة الجنونية للذكاء الاصطناعي وتطور الجريمة الإلكترونية، مؤكدين أن ‘الأمن الصحي’ يبدأ بحماية ‘المعلومة’ قبل حماية ‘الجسد’.