تواجه الثروة الغابوية في المغرب تحديات وجودية متسارعة، حيث كشف تقرير حديث صادر عن المجلس الأعلى للحسابات عن أرقام تدق ناقوس الخطر؛ فالمملكة تفقد سنوياً نحو 17 ألف هكتار من مساحاتها الخضراء، بينما تفشل جهود التعويض في كبح هذا النزيف. التقرير لم يكتفِ برصد التراجع، بل وضع الإصبع على مكامن الخلل في برامج إعادة التشجير التي تعاني من غياب التخطيط وضعف التتبع التقني.
وعلى الرغم من أن الغطاء الغابوي يمتد على مساحة 9 ملايين هكتار، إلا أن التدهور يزحف عليه من كل جانب. فإلى جانب قسوة التغيرات المناخية والحرائق، يبرز الرعي الجائر كعدو أول، إذ يقدر الضغط الذي تمارسه الماشية على الغابات بثلاثة أضعاف ما يمكن للنظم البيئية تحمله. هذا الاختلال جعل الظروف البيئية المحيطة بالأشجار الفتية تزداد سوءاً، مما أدى إلى تراجع عمليات التشجير بدلاً من تكثيفها.
المثير للاستغراب في التقرير هو حجم الهدر المالي والتقني في المشاتل؛ فبين عامي 2014 و2023، تم إنتاج حوالي 43.7 مليون شتلة غابوية لم تجد طريقها أبداً إلى التربة، وظلت مهملة حتى تلفت. هذا الرقم يمثل 22% من إجمالي الإنتاج، وكان كافياً لتشجير 87,500 هكتار، وقد كلف ضياع هذه الشتلات خزينة الدولة ما يناهز 92.4 مليون درهم.
الزيارات الميدانية لقضاة المجلس كشفت عن واقع مرير؛ شتلات مكدسة في ظروف تقنية سيئة، وجذور وأغصان مشوهة تجعل من المستحيل نموها حتى لو غُرست لاحقاً. وحتى حينما تنجح عمليات الغرس، تظل النتائج متواضعة، إذ لم تتجاوز نسبة نجاح مشاريع التشجير بين 2010 و2023 عتبة 56%، فيما هوت هذه النسبة إلى 51% خلال الموسم الأخير (2022-2023).
إن هذا الوضع يضع الاستراتيجية الغابوية الوطنية أمام تساؤلات حارقة حول جدوى التدبير الحالي، في ظل غياب رؤية مندمجة تبدأ من اختيار البذور وتنتهي بالرعاية المستمرة، مما يجعل الغابة المغربية في مواجهة مباشرة مع خطر الانحسار الدائم.