مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يبدأ الضجيج السياسي في التصاعد، وتشرع الماكينات الحزبية في التحرك بكل قوتها. لكن، خلف الستار الصاخب للمهرجانات والملصقات، هناك واقع مرير تعيشه بعض الهيئات السياسية التي تجد نفسها خارج ‘جنة’ الدعم المالي العمومي. هنا يطرح السؤال الجوهري نفسه بكل إلحاح: كيف يمكن لهذه الأحزاب أن تصمد في حلبة لا ترحم، حيث المال هو الوقود المحرك لكل خطوة في اتجاه صناديق الاقتراع؟
إن خوض غمار الانتخابات في وقتنا الراهن لم يعد مجرد خطاب سياسي مقنع أو برنامج طموح يُعرض على الورق، بل أصبح معركة لوجستية بامتياز تتطلب نفساً طويلاً وإمكانيات هائلة. فتنظيم اللقاءات الجماهيرية، وطبع آلاف المناشير، وإنتاج المحتوى الرقمي الموجه للناخبين عبر منصات التواصل الاجتماعي، كلها تفاصيل تتطلب سيولة مالية ضخمة. وفي ظل غياب التمويل الرسمي، تجد هذه الأحزاب نفسها أمام ‘جدار’ صلب يعيق وصول صوتها إلى المواطن البسيط، مما يضع مبدأ تكافؤ الفرص على المحك ويحول العملية الديمقراطية إلى سباق غير متكافئ بين خيول مدعومة وأخرى تحاول الركض بـ ‘نفس قصير’.
الأسباب التي تجعل بعض الأحزاب تجد نفسها في ‘منطقة الظل’ بعيداً عن المنح الحكومية تتنوع بين تعقيدات قانونية وشروط تنظيمية صارمة قد لا تستطيع الهيئات الصغرى أو الناشئة استيفاءها في الوقت المناسب. هذا الوضع المأزوم يجبرها على البحث عن بدائل تمويلية محدودة قد لا تفي بالحد الأدنى من المتطلبات، مما يجعل الفوارق تتسع بشكل صارخ بين ‘أحزاب قوية’ تمتلك الترسانة المالية واللوجستية، و’أحزاب’ تكافح فقط لتأمين مصاريف التنقل البسيطة لمرشحيها في المداشر والقرى.
والحقيقة أن الأمر لا يتوقف عند حدود المادة فحسب، بل يمتد ليمس جوهر الثقة في المؤسسات المنتخبة. فغياب التوازن في توزيع الموارد يثير تساؤلات مشروعة حول جودة المسار الديمقراطي برمته وحول قدرة الأحزاب ‘الفقيرة’ مادياً على إيصال بدائلها السياسية. فالمطلوب اليوم ليس فقط إجراء انتخابات في موعدها، بل ضمان بيئة تتيح للجميع فرصة حقيقية للإقناع والتواصل مع الناخب، بعيداً عن سطوة المال التي قد تحجب الأفكار النيرة.
سيكون الاستحقاق المقبل بمثابة ‘اختبار حقيقي’ لهذه الأحزاب، التي تجد نفسها اليوم بين مطرقة إثبات الحضور السياسي وسندان الإمكانيات شبه المنعدمة. فهل تستطيع قوة الإقناع وحدها أن تهزم بريق المال في ساحة الوغى الانتخابية؟ أم أن ميزان القوى سيظل مائلاً بشكل حاسم لمن يملك الميزانية الأكبر؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بكشف ملامح هذا المشهد المعقد، في ظل تطلعات شعبية لنخب تعبر عن هموم الناس بصدق، بعيداً عن حسابات الربح والخسارة ولغة الأرقام الصماء.