24 ساعة

شبح الغرق يطارد البندقية.. هل تنجح ‘عروس المتوسط’ في الصمود أمام تغول البحر؟

لم تعد المشاهد القادمة من مدينة البندقية الإيطالية مجرد لقطات سياحية لجمالية المياه، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى صرخة استغاثة حقيقية تقرع أجراس الخطر. فقد استفاقت ‘عروس المتوسط’ مؤخراً على وقع موجة فيضانات جديدة، أعادت إلى الأذهان كابوس الغرق الذي يهدد هذا الإرث التاريخي الفريد. الساحات والأزقة الشهيرة التي طالما سحرت ملايين الزوار، تحولت إلى مسارات مائية غمرت المعالم الأثرية، مما أربك وتيرة الحياة اليومية للسكان والسياح الذين وجدوا أنفسهم يصارعون منسوب مياه غير مسبوق.

السلطات الإيطالية، وفي سباق مع الزمن، سارعت إلى تفعيل منظومة الحواجز المائية المتطورة لمحاصرة المد وتقليل تسرب المياه إلى المناطق الحيوية والساحات التاريخية مثل ساحة ‘سان ماركو’. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذه الحلول التقنية، رغم أهميتها، تبدو وكأنها ‘مسكنات’ أمام تحدٍ بيئي وجودي. فالباحثون والخبراء لا يترددون في ربط تكرار هذه الظاهرة بالتغيرات المناخية الحادة التي تسببت في ارتفاع منسوب مياه البحار، ناهيك عن ظاهرة هبوط التربة التدريجي التي تزيد من هشاشة المدينة المبنية فوق جزر صغيرة وسط بحيرة البندقية.

ولا يقتصر القلق على الجانب اللوجستي أو السياحي فحسب، بل يمتد ليشمل الهوية الثقافية والمعمارية للمدينة المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. فالمياه المالحة حين تتغلغل في أساسات المباني العتيقة، تترك أثراً تخريبياً يصعب ترميمه، مما يضع مستقبل هذا الكنز الإنساني على المحك. إنها معركة غير متكافئة بين عبق التاريخ وقسوة الطبيعة التي بدأت تفرض منطقها الجديد.

اليوم، تعيش إيطاليا حالة من الترقب المستمر، وسط دعوات ملحة من المنظمات البيئية لتبني استراتيجيات أكثر استدامة وتطوير بنية تحتية قادرة على مواجهة سيناريوهات المستقبل القاتمة. فالرهان في البندقية لم يعد يتعلق فقط بحماية مدينة سياحية فاتنة، بل بإنقاذ ذاكرة حضارية مهددة بالزوال تحت وطأة أمواج لا تهدأ، في وقت يراقب فيه العالم بأسره مصير واحدة من أجمل مدن الكوكب.