يعيش ميناء الناظور على وقع حالة من ‘الحصار’ الجمركي غير المسبوق، بعدما أصدرت السلطات الجمركية تعليمات صارمة بوقف عبور شحنات ضخمة من الأجهزة المنزلية المستوردة من أوروبا. مشهد الميناء اليوم يشي بالكثير، حيث تحولت أساطيل من الثلاجات وآلات الغسيل إلى ما يشبه ‘الرهائن’ خلف الأسوار، في خطوة فاجأت الأوساط التجارية وأربكت حسابات المهربين الذين اعتادوا الصيد في المياه العكرة.
هذا الاستنفار المفاجئ لم يأت من فراغ، بل جاء عقب كشف مخططات خطيرة للتلاعب بالتصاريح الضريبية والتحايل على القوانين المنظمة، في محاولة يائسة لتهريب مبالغ خيالية من الرسوم المفروضة وتضليل العدالة الجبائية. ولم يقف الأمر عند حدود الحجز العادي، بل أوفدت المديرية العامة للجمارك ‘كوموندو’ من المفتشين المركزيين الذين نفذوا إنزالاً ميدانياً بالميناء قبل أسبوع، في مهمة تفتيش حارقة لم تترك صغيرة ولا كبيرة إلا وأخضعتها للتمحيص والدقيق.
التحقيقات الجارية لا تقتصر على ما هو ظاهر اليوم، بل امتدت لتنبش في السجلات القديمة بـ ‘أثر رجعي’، في مطاردة شرسة لعمليات تهريب ضريبي سابقة قد تكون استنزفت خزينة الدولة لسنوات طوال. وتدور في كواليس الميناء أحاديث عن ترتيب عقوبات مالية ‘زلزالية’ ومتابعات قضائية قد تطيح برؤوس وازنة في القطاع، مما يعكس رغبة حقيقية من الدولة في القطع مع ممارسات الماضي التي كانت تعتمد على المحاباة.
وفي عز هذا الاستنفار الأمني والمالي، فُرض طوق من المراقبة التكنولوجية اللصيقة عبر اعتماد السلطات لنظام رقمي ‘شديد الذكاء’ يحلل أدق تفاصيل السلع المستوردة ولا يترك مجالاً للخطأ، مدعوماً بجيش من كاميرات المراقبة المتطورة التي ترصد كل حركة وسكون في النقط الحساسة للمرفق المينائي. هذه الإجراءات تأتي ضمن خطة ‘تطهير’ شاملة تهدف إلى قطع الطريق نهائياً على سماسرة الموانئ وإرساء نظام شفافية مطلق ينهي زمنAdministrative Negligence.
وفي قلب هذه العاصفة التي تضرب المرفق المينائي، تتجه الأنظار بترقب كبير إلى العاصمة الرباط، حيث كشفت تسريبات متطابقة عن قرب الإعلان عن تعيين مدير عام جديد لجهاز الجمارك خلال ساعات قليلة، ليتسلم المشعل من ‘عبد اللطيف العمراني’. هذا التغيير في هرم القيادة يأتي في توقيت حساس جداً ليحمل رسالة سياسية واضحة، مضمونها ضخ دماء جديدة قادرة على مواجهة الاختلالات الهيكلية وتدشين مرحلة من الصرامة المطلقة في حماية الحدود الاقتصادية للمملكة.
إن ما يشهده ميناء الناظور حالياً ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو ‘إعلان حرب’ على الفساد اللوجيستي، يمهد الطريق لثورة تحديث شاملة ستغير وجه المرافق الحدودية. هذا الانتقال المرتقب في القيادة، تزامناً مع حملة التطهير الواسعة، يطمح لصياغة واقع جديد تكون فيه الموانئ المغربية حصوناً منيعة ضد التهريب ومحركات نظيفة للاقتصاد الوطني، مؤكداً وبشكل جلي أن زمن التراخي وخرق القانون قد ولى إلى غير رجعة.