24 ساعة

المغرب وغزة.. هل تقترب القوات المسلحة الملكية من مهمة حفظ السلام في القطاع؟

منذ عقود، والرباط تلعب دور ‘بيضة القبان’ في ملفات الشرق الأوسط الشائكة، مستندة إلى إرث دبلوماسي هادئ وقدرة فريدة على الحوار مع كافة الأطراف. واليوم، ومع تصاعد الحديث عن ‘اليوم التالي’ للحرب في قطاع غزة، تبرز أسئلة جوهرية حول هوية القوى التي ستملأ الفراغ الأمني والإداري. في هذا السياق، كشفت تقارير أمريكية رصينة عن تحركات خلف الكواليس تضع القوات المسلحة الملكية المغربية ضمن قائمة المرشحين الأبرز للمشاركة في قوة دولية لحفظ السلام بالقطاع.

لماذا المغرب؟ السؤال ليس مجرد ترف سياسي، بل هو انعكاس لواقع ميداني وتاريخي. فالمملكة ليست غريبة عن مهام حفظ السلام الدولية؛ إذ تنتشر القبعات الزرق المغربية من أدغال إفريقيا إلى مناطق النزاع في مختلف القارات، حاملة معها سمعة طيبة في الانضباط والحياد. لكن غزة ليست كغيرها، فهي ملف يتقاطع فيه الإنساني بالسياسي، والعسكري بالعاطفي.

وتشير المعطيات المسربة من دوائر صنع القرار في واشنطن إلى أن الإدارة الأمريكية ترى في المغرب شريكاً مثالياً. فالرباط تمتلك علاقات متوازنة؛ فهي من جهة ترأس لجنة القدس ولديها ارتباط وجداني وتاريخي بالقضية الفلسطينية، ومن جهة أخرى ترتبط باتفاقات استراتيجية تجعلها صوتاً مسموعاً وموثوقاً لدى الأطراف الدولية. هذا المزيج الفريد هو ما يجعل الجندي المغربي مقبولاً في أزقة غزة المنهكة، حيث يرفض الفلسطينيون أي تواجد قد يُفسر على أنه امتداد للاحتلال، بينما يبحث المجتمع الدولي عن ‘ضامن’ يتسم بالاحترافية والشرعية.

لكن، هل الأمر بهذه البساطة؟ بالتأكيد لا. فالمهمة المقترحة محفوفة بالألغام، ليس فقط بالمعنى العسكري، بل والسياسي أيضاً. فالمغرب، الذي ينهج دائماً سياسة ‘الوضوح والمسؤولية’، لن يغامر بدفع قواته إلى منطقة مشتعلة دون ضمانات دولية واضحة، ودون أن يكون ذلك ضمن إطار حل سياسي شامل يضمن حقوق الشعب الفلسطيني. إنها مقامرة محسوبة، والرباط تدرك أن دورها لا يمكن أن يقتصر على ‘الشرطي’ الذي يؤمن الحدود، بل يجب أن يكون جزءاً من عملية إعادة بناء شاملة.

وعند التأمل في المشهد، نجد أن التحدي الأكبر يكمن في التوافق الإقليمي. فنجاح أي قوة دولية في غزة يتطلب ضوءاً أخضر من الفصائل الفلسطينية أولاً، وقبولاً من المحيط العربي ثانياً. وهنا تبرز حنكة الدبلوماسية المغربية التي تتقن لغة الصمت المنتج؛ فهي لا تتسابق نحو العناوين العريضة، بل تبني مواقفها على أسس صلبة. فهل نرى المستشفيات الميدانية المغربية، التي طالما بلسمت جراح الغزاويين، تتحول إلى نواة لتواجد أمني وإداري أوسع؟

إن السيناريوهات المطروحة تتحدث عن قوة عربية-دولية مشتركة، تتولى مهاماً انتقالية تشمل توزيع المساعدات، ومنع عودة مظاهر الفوضى، والتمهيد لعودة السلطة الفلسطينية بشكل متفق عليه. وفي هذا الإطار، يبدو المغرب مرشحاً طبيعياً بفضل خبرته في ‘الهندسة الأمنية’ التي تراعي الخصوصيات الثقافية والدينية للمنطقة. إنها مهمة إنسانية بعباءة عسكرية، وهو تخصص برعت فيه القوات المسلحة الملكية عبر عقود.

في الختام، يبقى ملف غزة اختباراً حقيقياً للنظام الدولي الجديد. وبينما تستمر المشاورات في الغرف المغلقة بين واشنطن والرباط وعواصم عربية أخرى، يظل المواطن الغزاوي ينتظر أملاً ينهي مأساته. فهل تكون ‘القبعات المغربية’ هي طوق النجاة الذي يجمع بين حفظ الأمن وصون الكرامة؟ الأيام القادمة، بما تحمله من ضغوط ديبلوماسية وتفاهمات استراتيجية، هي وحدها الكفيلة بالإجابة على هذا السؤال الصعب، في وقت لم يعد فيه العالم يملك ترف الوقت.