لم يعد الحديث عن الطموح المغربي في القارة الإفريقية مجرد عناوين عابرة في الصحف المحلية، بل تحول إلى مادة دسمة للنقاش في مراكز صنع القرار بالعواصم الأوروبية، وعلى رأسها مدريد. ففي الآونة الأخيرة، أجمعت كبريات الصحف الإسبانية على حقيقة لا يمكن القفز عليها: المغرب لم يعد يطرق أبواب إفريقيا فحسب، بل بات يمتلك مفاتيحها الأساسية، متجاوزاً بذلك أدواراً كانت حكراً على قوى تقليدية.
من يراقب المشهد السياسي والاقتصادي في القارة السمراء، يدرك أن الرباط رسمت مساراً استراتيجياً طويلاً وهادئاً، بدأ يؤتي أكله بشكل أربك الحسابات الإسبانية. فالصحافة الإيبيرية، التي تتابع تحركات الجار الجنوبي بمزيج من الإعجاب والترقب، ترى أن المملكة المغربية نجحت في بناء «قوة ناعمة» صلبة، استندت فيها إلى استثمارات ضخمة في قطاعات حيوية كالبنوك، الاتصالات، والأسمدة، وصولاً إلى التعاون الأمني والديني الذي شكل صمام أمان للعديد من دول الساحل وجنوب الصحراء.
ولكن، هل الأمر يتعلق بالأرقام والصفقات التجارية فقط؟ بالتأكيد لا. السر يكمن في تلك الرؤية التي يقودها العاهل المغربي الملك محمد السادس، والتي تنبني على مفهوم «جنوب-جنوب». هذا التوجه لم يكن مجرد شعار سياسي، بل تُرجم إلى واقع ملموس من خلال مئات الاتفاقيات التي جعلت من الدار البيضاء قطباً مالياً قارياً، ومن طنجة المتوسط بوابة لا غنى عنها للتجارة العالمية. إسبانيا، التي كانت تنظر إلى إفريقيا كحديقة خلفية أو سوق استهلاكي، تجد نفسها اليوم أمام منافس يمتلك ميزة القرب الجغرافي، الروابط التاريخية، والأهم من ذلك، القبول السياسي الواسع لدى القادة الأفارقة.
تتوقف التقارير الإسبانية بكثير من التأمل عند التحول الذي طرأ على العقيدة الدبلوماسية المغربية. فالمغرب لم يعد يكتفي بالدفاع عن قضاياه الوطنية، بل أصبح «صانعاً للحلول» في الأزمات الإقليمية. هذا النفوذ المتصاعد جعل مدريد، ومعها باريس، تعيدان قراءة الخارطة من جديد. فالسؤال الذي يطرحه المحللون في «إل باييس» أو «إل موندو» ليس «هل سينجح المغرب؟»، بل «إلى أي مدى سيصل هذا التمدد؟».
إن القلق الإسباني، وإن كان مغلفاً بلغة ديبلوماسية أحياناً، إلا أنه يعكس خشية من فقدان التوازن في منطقة غرب المتوسط. فالمغرب اليوم يطرح مشاريع عملاقة، مثل أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، وهو المشروع الذي وصفته الصحافة الإسبانية بـ «مشروع القرن» الذي سيغير قواعد اللعبة الطاقية في القارة بأكملها. مثل هذه الخطوات تضع المغرب في موقع «المحاور الضروري» لأوروبا، ليس فقط في ملفات الهجرة والأمن، بل كمزود رئيسي للاستقرار والنمو.
وفي ظل هذا الزخم، يبرز تساؤل جوهري: هل تستطيع إسبانيا مواكبة هذا الإيقاع المغربي السريع؟ الحقيقة أن التنافس هنا ليس بالضرورة صراعاً صفرياً، لكنه يفرض على الجانب الإسباني الاعتراف بأن قواعد اللعبة قد تغيرت. المغرب لم يعد ذلك «التلميذ النجيب» الذي ينتظر التوجيهات، بل أصبح شريكاً يفرض شروطه ويتحرك وفق أجندة وطنية خالصة تضع إفريقيا في قلب أولوياتها.
ختاماً، يمكن القول إن ما يكتبه الإعلام الإسباني اليوم هو اعتراف ضمني بنجاح «الموديل المغربي». المملكة استطاعت في عقدين من الزمن أن تتحول من بلد يركز على ترتيب بيته الداخلي، إلى قوة إقليمية ضاربة، تمد جسورها من طنجة إلى كيب تاون. إنها قصة صعود هادئ، لكن صداه بات يتردد بقوة في ردهات القصور والمكاتب السياسية في مدريد، مذكراً الجميع بأن الخارطة الجديدة للقارة السمراء، تُكتب اليوم بمداد مغربي.