ليس من السهل دائماً أن تجمع مدينة ما بين الوقار الإداري والحيوية الثقافية، لكن ‘الرباط’ نجحت في ذلك بامتياز، وهذا بالضبط ما استرعى انتباه صحيفة ‘إل باييس’ الإسبانية في تقرير حديث لها. الصحيفة الشهيرة خصصت مساحة واسعة للاحتفاء بـ’عاصمة الأنوار’، مقدمة لقرائها دليلاً ممتعاً بعنوان ‘الرباط في 24 ساعة’، يدعوهم فيه إلى الانغماس في تفاصيل مدينة تتنفس هدوءاً، بعيداً عن صخب وازدحام المدن السياحية التقليدية التي قد ترهق الزائر.
ما يميز الرباط، حسب ما استعرضه التقرير، هو تلك القدرة العجيبة على الحفاظ على أصالتها دون الانغلاق في عباءة الماضي. فبينما تضج مدن أخرى بالحشود، تمنح الرباط زائريها فرصة التجول في أزقة ‘المدينة القديمة’ التي لا تزال تنبض بحياة أهلها الحقيقية، بعيداً عن ‘الاستعراض’ السياحي المفتعل. هنا، يمتزج التاريخ الموحدي العريق، المتمثل في أسوارها الشامخة وصومعة حسان وضريح محمد الخامس، مع روح العصر بطريقة انسيابية ومبهرة تجعل من كل ركن فيها لوحة فنية تحكي قصة زمنين.
الرحلة التي تقترحها ‘إل باييس’ لا تتوقف عند التراث العتيق فحسب، بل تمتد لتشمل ملامح ‘الرباط الحديثة’ التي تتشكل يوماً بعد يوم. فمن شارع محمد الخامس بعمارته الراقية التي تحمل بصمات طراز ‘الآرت ديكو’، إلى متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر، تتجلى صورة عاصمة عالمية تضع الثقافة والفن في قلب تطورها الحضري. ولا يمكن الحديث عن نهضة الرباط دون ذكر المسرح الكبير، تلك التحفة المعمارية التي أبدعتها الراحلة ‘زها حديد’، والتي باتت اليوم أيقونة تزين ضفة نهر أبي رقراق وتجسد طموح المغرب نحو المستقبل.
وبنظرة فاحصة، يربط التقرير بين ضفتي النهر، مشيراً إلى التكامل الفريد بين الرباط وجارتها سلا، حيث تتمازج الذاكرة التاريخية مع المشاريع المهيكلة الكبرى التي غيرت ملامح المنطقة. إنها دعوة صريحة لاكتشاف وجه مغربي مشرق، يجمع بين الرقي الجمالي والاشعاع الثقافي، مما يجعل الرباط وجهة مثالية لمن يبحث عن ‘استراحة قصيرة’ غنية بالتجارب، هادئة في إيقاعها، وعميقة في أثرها، لتؤكد بذلك مكانتها كواجهة دولية للمغرب المعاصر الذي يفتخر بجذوره ويتطلع بثقة نحو آفاق الحداثة.