على هامش أشغال الجمعية الـ149 للاتحاد البرلماني الدولي بمدينة جنيف السويسرية، لم تكن اللقاءات مجرد بروتوكولات عابرة، بل كانت انعكاساً لحراك دبلوماسي مغربي مكثف يسعى لترسيخ مكانة المملكة في الخارطة الدولية. وفي هذا السياق، برز اللقاء الذي جمع السيد رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب المغربي، مع السيد بيتر سيارتو، وزير الخارجية والتجارة الهنغاري، كواحد من أبرز المحطات التي تلخص عمق التفاهمات بين الرباط وبودابست.
بدأ اللقاء بنبرة من التقدير المتبادل، حيث لم يفت الطالبي العلمي الإشادة بالموقف الهنغاري الثابت والواضح تجاه قضية الوحدة الترابية للمملكة المغربية. إن دعم المجر لمبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وأساسي للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو تجسيد لرؤية مشتركة تحترم السيادة الوطنية للدول وتؤمن بالاستقرار الإقليمي. فهل يمكننا اليوم الحديث عن علاقات دولية متينة دون هذا النوع من الوضوح في المواقف؟
من جانبه، لم يبخل الوزير الهنغاري في التعبير عن إعجابه بالمسار التنموي الذي تقوده المملكة تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس. سيارتو، الذي يمثل دولة تلعب دوراً محورياً في وسط أوروبا، يدرك تماماً أن المغرب ليس مجرد شريك تجاري، بل هو بوابة استراتيجية نحو القارة السمراء، وحصن للأمن والاستقرار في منطقة حوض المتوسط.
تطرق الجانبان خلال المباحثات إلى سبل تعزيز التعاون البرلماني، مع التأكيد على ضرورة تفعيل مجموعات الصداقة بين المؤسستين التشريعيتين. إن الدبلوماسية البرلمانية، كما يراها الطالبي العلمي، هي القوة الناعمة التي يمكنها تذليل العقبات وفتح آفاق أرحب للتعاون الاقتصادي والثقافي. ولم يقتصر الحديث على الجانب السياسي المحض، بل امتد ليشمل ملفات حيوية مثل الطاقة، والهجرة، والتحديات الأمنية التي تواجه المنطقة، حيث أكد الطرفان على أهمية التنسيق المستمر في المحافل الدولية لمواجهة هذه التحديات المشتركة.
إن ما يميز العلاقات المغربية الهنغارية في السنوات الأخيرة هو ذلك التصاعد المطرد في لغة المصالح المشتركة. فالمجر، التي تترأس حالياً مجلس الاتحاد الأوروبي، تنظر إلى المغرب كشريك موثوق لا غنى عنه في صياغة سياسات الجوار الأوروبي. وفي المقابل، يجد المغرب في بودابست صوتاً عاقلاً وداعماً داخل أروقة الاتحاد الأوروبي، مما يساهم في تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وبروكسل.
ختاماً، يمكن القول إن لقاء جنيف بين الطالبي العلمي وسيارتو هو لبنة أخرى في صرح علاقات تاريخية تتجه نحو المستقبل بخطى ثابتة. إنها دبلوماسية الفعل لا القول، حيث تتحول الكلمات إلى مشاريع عمل، والمواقف السياسية إلى ضمانات للاستقرار والتنمية. يبقى السؤال المطروح: كيف ستنعكس هذه التفاهمات على حجم التبادل التجاري والاستثماري في القريب العاجل؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة، لكن المؤشرات الحالية تدعو للتفاؤل الكبير.