لطالما كان السمك في المخيال الشعبي المغربي هو الملاذ الأخير للطبقات المتوسطة والفقيرة حينما تشتعل أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء. لكن، وعلى نحو مفاجئ ومؤلم، يبدو أن هذا الملاذ الآمن قد بدأ يتهاوى. ففي بلد يمتلك واجهتين بحريتين تمتدان على آلاف الكيلومترات، وتعد ثروته السمكية من بين الأغنى عالمياً، يجد المواطن المغربي نفسه اليوم أمام مفارقة صارخة: كيف يمكن لبلد يصدر أطنان الأسماك إلى أرقى موائد أوروبا وآسيا، أن يعجز عن توفير طبق ‘سردين’ بسيط لمواطنيه بسعر معقول؟
خلال الأسابيع الأخيرة، لم تعد أرقام الأسعار في أسواق السمك مجرد أرقام عابرة، بل تحولت إلى صدمات يومية. قفزت أثمان ‘السردين’ -الذي يُلقب شعبياً بـ ‘سمك الفقراء’- إلى مستويات غير مسبوقة، متجاوزة في بعض المناطق حاجز الـ 20 والـ 25 درهماً للكيلوغرام الواحد. أما الأنواع الأخرى مثل ‘الصول’ و’الكروفيت’ و’الميرلان’، فقد باتت تدخل في خانة الرفاهية التي لا تُرى إلا في المناسبات الكبرى أو في صور المجلات.
هذا المشهد القاتم يضعنا مباشرة أمام تساؤلات حارقة حول فعالية التدبير الحكومي لهذا القطاع الحيوي. أين ذهبت الوعود التي أطلقتها كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري؟ وكيف فشلت المخططات الاستراتيجية، وعلى رأسها ‘أليوتيس’، في تحقيق توازن حقيقي يضمن الأمن الغذائي للمغاربة قبل التفكير في أرقام التصدير الصماء؟ الواقع يقول إن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي في الأسواق تزداد اتساعاً، مما يعكس فشلاً ذريعاً في ضبط سلاسل التوزيع ومحاربة المضاربات التي تقتات على جيوب البسطاء.
إن الأزمة لا تكمن فقط في تقلبات المناخ أو ‘الراحة البيولوجية’ كما يحلو للبعض تبرير ذلك، بل هي أزمة هيكلية بامتياز. فالمواطن يتساءل بمرارة: لماذا تنخفض الأسعار في دول لا تملك حتى ربع سواحلنا، بينما نكتوي نحن بنيرانها؟ هنا تبرز إشكالية ‘الوسطاء’ و’لوريات’ التوزيع التي تبتلع الهامش الأكبر من الأرباح، تاركة الصياد الصغير يصارع الأمواج، والمستهلك يصارع غلاء المعيشة.
وعندما نتحدث عن المسؤولية السياسية، لا يمكن إغفال الدور الرقابي الغائب. فغياب الحزم في مراقبة مسارات تسويق المنتجات البحرية، وترك الحبل على الغارب للمصدرين لتفضيل السوق الخارجية على حساب السوق الوطنية، يضع علامات استفهام كبرى حول أولويات الوزارة الوصية. هل الهدف هو جلب العملة الصعبة فقط، حتى لو كان الثمن هو حرمان المغاربة من بروتينهم الأساسي؟
إن ما يحدث اليوم في أسواق السمك المغربية هو إنذار حقيقي. فالمواطن الذي تحمل تبعات التضخم في المحروقات والمواد الغذائية الأساسية، لم يعد قادراً على تحمل المزيد من الضغط على قدرته الشرائية المنهكة أصلاً. الأرقام التي تتحدث عن ‘نمو الصادرات’ و’تطور القطاع’ لا تعني شيئاً للأب الذي يعود إلى منزله بـ ‘قفة’ فارغة لأن سعر الكيلوغرام الواحد من السمك يعادل أجرة نصف يوم من العمل الشاق.
ختاماً، إن إصلاح قطاع الصيد البحري في المغرب لا يحتاج إلى مزيد من التقارير المنمقة أو الندوات الصحفية، بل يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تعيد الاعتبار للمستهلك المغربي. يحتاج إلى ضرب يد من حديد على المتلاعبين بالأسعار، وإعادة النظر في نظام الحصص ‘الكوطا’ الذي يستفيد منه كبار المنعشين على حساب الاستهلاك الداخلي. فهل ستتحرك الجهات المسؤولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم أن السمك سيبقى ‘عملة صعبة’ لا يراها المغاربة إلا في نشرات الأخبار؟