24 ساعة

من جبال الريف إلى مدريد.. إلياس بنعمار يطوع ‘القوة الناعمة’ لترميم الجسور بين الضفتين

في لحظة امتزجت فيها مشاعر الفخر بعبق الإنجاز الأكاديمي، وقف الباحث المغربي إلياس بنعمار تحت قبة جامعة الملك خوان كارلوس في مدريد، ليقدم خلاصة سنوات من البحث والاجتهاد. لم تكن القاعة رقم 151 مجرد مكان لمناقشة أطروحة دكتوراه، بل كانت مسرحاً لحلم انطلق من جبال الريف ليزهر في قلب العاصمة الإسبانية، معلناً عن ميلاد صوت فكري مغربي متجدد.

وسط أجواء مهيبة، حضر السند العائلي ليضفي على المناسبة طابعاً إنسانياً مؤثراً. فمن مدينة الناظور، سافر شقيقه الأستاذ صريح بنعمار، نائب وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالدريوش، ليكون بجانبه في هذه المحطة الفارقة، وفاءً لروح والدهما الراحل الذي كان يتمنى رؤية أبنائه في أعلى المراتب. كما التفت حول الباحث ثلة من الأصدقاء والباحثين، مثل الدكتور محمد بلفقيه ونجله أمير والدكتور نور الدين عشاشة، ليشكلوا معاً لوحة من الوفاء الذي يعزز البحث العلمي ويمنحه قيمة إنسانية مضافة.

تحت عنوان ‘التعاون المغربي الإسباني في المجال الثقافي: التطور والآفاق المستقبلية’، وبإشراف الدكتورة إلينا كارولينا دياز غالان، غاص بنعمار في تفاصيل العلاقة بين الرباط ومدريد. وقد جاءت هذه الأطروحة لتترجم تجربة حياتية لباحث يتقن لغة سرفانتس ببراعة، ويهدي ثمرة جهده لروح والده الذي فقده قبل أسابيع قليلة، تاركاً إرثاً فكرياً يُخلد اسمه في أروقة المكتبات الجامعية.

ولم يكتفِ الباحث بالجانب النظري، بل شرع في تفكيك بنية العلاقات بين البلدين منذ نهاية القرن التاسع عشر وصولاً إلى عصرنا الحالي. وقد جادل بنعمار بذكاء بأن الثقافة ليست ترفاً هامشياً، بل هي عمود فقري للسيادة وجسر آمن يربط بين الضفتين، خاصة في أوقات الأزمات الدبلوماسية. كما دعا بجرأة إلى ضرورة إعادة النظر في الدبلوماسية الثقافية كأداة للقوة الناعمة بعيداً عن المناورات السياسية.

اللجنة العلمية، وبعد وقوفها على متانة الأطروحة وقدرة الباحث على التمكن من لغة غير لغته الأم بهذه الرصانة، لم تجد خياراً سوى منحه درجة الدكتوراه بتقدير ‘مشرف جداً’ مع التوصية بالنشر. إن هذا الإنجاز ليس مجرد شهادة أكاديمية، بل هو رسالة تؤكد أن المسافات تتلاشى أمام الإرادة، وأن الباحث المغربي يظل سفيراً متميزاً لهويته ووطنه، قادراً على مخاطبة العالم بلغة العصر وبمنطق القوة المعرفية.