في مشهد يجسد بوضوح حالة التخبط الدبلوماسي التي يعيشها النظام الجزائري، استقبل الرئيس عبد المجيد تبون نظيره التشادي محمد إدريس ديبي إتنو في زيارة رسمية، لتتكشف معها خيوط ‘لعبة الكيل بمكيالين’. فبينما يرفع الإعلام الرسمي في الجارة الشرقية شعارات رنانة حول ‘مناهضة التطبيع’ ويشن حملات شعواء ضد دول اختارت سيادتها في بناء علاقاتها الدولية، وجدنا الماكينة الإعلامية نفسها تتسابق اليوم للترحيب بالرئيس التشادي وتزيين الزيارة بعبارات المديح والإشادة.
المفارقة هنا ليست عابرة، بل هي حقيقة صارخة تكشف عمق الهوة بين الخطاب الاستهلاكي الموجه للداخل والخارج، وبين الممارسة السياسية على أرض الواقع. فدولة تشاد، التي استقبل رئيسها بكل هذه الحفاوة في قصر المرادية، هي ذاتها الدولة التي لم تتردد في اتخاذ خطوات عملية نحو التطبيع مع إسرائيل، بل وتوجت ذلك بزيارة وفدها إلى تل أبيب وافتتاح سفارة لها هناك.
هذا التناقض أثار موجة من الانتقادات العارمة وسط المتابعين للشأن المغاربي؛ فكيف يستقيم لمن يرفع لواء ‘رفض التطبيع’ كعقيدة دبلوماسية، أن يفرش السجاد الأحمر لمن يمارس هذا التطبيع علانية وبدون خجل؟ أليس من المفترض أن تكون المواقف المبدئية ثابتة لا تتجزأ، أم أن هناك ‘تطبيعاً مقبولاً’ وآخر ‘مداناً’ حسب هوى النظام الجزائري ووفق مصالحه الآنية؟
إن هذه الازدواجية في المواقف ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل النفاق السياسي الذي ينتهجه الجار الشرقي. فالتشدق بمحاربة ‘التطبيع’ تحول إلى مجرد ورقة تستخدم للابتزاز السياسي وتوجيه الاتهامات للآخرين، بينما تنهار هذه الشعارات عند أول اختبار حقيقي. وبدلاً من مواجهة هذا التناقض بوضوح، يفضل الإعلام الموالي للنظام غض الطرف عن الحقائق، مكتفياً بتغطية احتفالية لا تغني ولا تسمن من جوع، تاركةً الرأي العام يتساءل: إلى متى سيستمر هذا الخطاب الذي يرفض ما يقبله لنفسه، ويخاصم العالم على خيارات سيادية هو أول من يمارسها بـ ‘وجهين’؟