في خطوة تعكس توجهاً عملياً لمواجهة التغيرات المناخية، بدأت جهة سوس ماسة في تبني حلول تقنية ذكية لضمان نجاح مشاريع التشجير في المناطق القاحلة وشبه القاحلة. فقد تحولت منطقة ‘سيدي بوشاب’ بجماعة إمسكرود إلى مختبر مفتوح لتجربة تقنية ‘ووتر بوكس’ (Waterbox)، وهي وسيلة مبتكرة تأتي ضمن تنزيل استراتيجية ‘غابات المغرب 2020-2030’.
الزيارة الميدانية التي قادها والي الجهة، سعيد أمزازي، بمعية المدير العام للوكالة الوطنية للمياه والغابات، عبد الرحيم هومي، كشفت عن حجم الرهان المعقود على هذه التقنية. ففي ظل سنوات الجفاف المتتالية التي تضرب المملكة، أصبح تأمين استدامة الغطاء النباتي تحدياً حقيقياً، وهو ما تسعى ‘ووتر بوكس’ لتجاوزه من خلال جهاز ذكي يعمل على تجميع مياه الأمطار والندى، ثم توزيعها بدقة وقطرة قطرة نحو جذور الشتلات.
تكمن عبقرية هذا النظام في قدرته على حماية الجذور من حرارة الشمس الملتهبة، مما يحفزها على النمو نحو الأعماق بحثاً عن الرطوبة الطبيعية. والنتائج التي سجلتها التجارب الميدانية لم تكن مجرد أرقام عابرة، بل سجلت نسبة نجاح فاقت 95 بالمئة في بقاء الشتلات على قيد الحياة، مع تقليص كبير في استهلاك المياه. وهذه الأرقام تحمل بشائر خير لأشجار ‘الأركان’ التي تعد رمزاً للمنطقة وتواجه ضغوطاً بيئية غير مسبوقة.
ولم تتوقف الجهود عند الاستيراد، بل انتقلت الوكالة الوطنية للمياه والغابات إلى مرحلة أكثر طموحاً؛ وهي تطوير نسخة محلية الصنع من هذه التقنية. الهدف هنا واضح: خفض التكاليف وضمان ملاءمة النظام للخصوصية البيئية المغربية، مما سيسهل تعميمه على نطاق واسع. وحتى الآن، مكنت هذه المبادرة من استصلاح أكثر من 1200 هكتار بالجهة.
إن هذه الخطوة ليست مجرد إجراء تقني، بل هي جزء من رؤية استراتيجية أطلقها الملك محمد السادس لتحديث القطاع الغابوي، ووضع الابتكار في قلب المعركة لحماية المنظومات البيئية الوطنية. ففي الوقت الذي يغير فيه المناخ معالم الطبيعة، يبدو أن العلم والتكنولوجيا هما السلاح الأنجع للحفاظ على إرثنا الغابوي للأجيال القادمة.