24 ساعة

الحركة الشعبية.. هدوء تنظيمي يربك حسابات ‘الكبار’ قبل معركة الانتخابات

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، دخل المشهد السياسي المغربي مرحلة ‘العد التنازلي’، حيث تحولت كواليس الأحزاب إلى ساحة مفتوحة للمشاورات والمناورات. اللافت في هذه النسخة من السباق الانتخابي أن ملف ‘التزكيات’ لم يعد مجرد إجراء إداري، بل أصبح صداعا حقيقيا يهدد تماسك الهياكل التنظيمية داخل كبريات الأحزاب التي قادت الحكومة خلال الولاية المنتهية.

بينما تغرق أحزاب مثل التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال في نقاشات حادة حول اختيار المرشحين، وتتصاعد حدة التوترات الداخلية نتيجة تضارب الطموحات بين قيادات القواعد والمركز، يبرز حزب ‘الحركة الشعبية’ كاستثناء لافت للنظر. فالحزب الذي يقوده ‘امحند العنصر’ استطاع، وفق مراقبين، إدارة هذه المرحلة الحساسة بكثير من الحكمة والهدوء، مبتعدا عن الصدامات التي قد تعصف بالوحدة التنظيمية.

سر هذا ‘الهدوء الحركي’ يكمن في اعتماد الحزب على سياسة التوافقات القبلية، وإشراك القواعد المحلية في اتخاذ القرار، مع تغليب منطق الاستمرارية والتدرج في تجديد النخب، عوض فرض خيارات فوقية قد تثير غضب القواعد. هذا المسار لم يمر دون نتائج؛ إذ نجحت الحركة الشعبية في تعزيز حضورها بمناطق كانت تعتبر تاريخيا ‘قلاعا حصينة’ لأحزاب أخرى، خاصة في منطقة الغرب، مما يؤشر على تغييرات ملموسة في موازين القوى المحلية.

وبينما يستهلك الخصوم جزءا كبيرا من طاقاتهم في محاولة ‘إطفاء الحرائق’ الداخلية، يجد ‘السنبلة’ نفسه في وضع مريح نسبيا، مستعدا لخوض المعركة الانتخابية بصفوف متراصة. ومع ذلك، يظل الحذر سيد الموقف، فالمعركة التشريعية ليست مجرد ترتيبات تنظيمية، بل هي امتحان حقيقي لقدرة الأحزاب على استقطاب الناخبين في ظل تقلبات المزاج الانتخابي ونسب المشاركة المتغيرة.

إن ما نعيشه اليوم يؤكد حقيقة ثابتة في السياسة المغربية: المعركة الحقيقية لا تبدأ يوم الاقتراع أمام صناديق التصويت، بل تبدأ من داخل مكاتب الأحزاب، حيث تُطبخ القرارات وتُحدد التحالفات. فهل سيثبت الهدوء التنظيمي للحركة الشعبية تفوقه على صخب الصراعات في الأحزاب الأخرى؟ الأيام القليلة القادمة وحدها كفيلة بالإجابة على هذا السؤال الذي يترقبه الجميع.