في خطوة تروم تحديث السياسة الجنائية بالمغرب وتجاوز منطق العقاب التقليدي، بدأ نظام ‘العقوبات البديلة’ في تقديم أرقام ومؤشرات ميدانية تبعث على التفاؤل. ففي حصيلة رقمية دقيقة غطت الفترة الممتدة من غشت 2025 إلى فبراير 2026، كشف عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، عن ملامح تحول نوعي في كيفية تعاطي المحاكم مع الملفات الجنائية غير الخطيرة.
الأرقام التي استعرضها الوزير توضح بجلاء أن هذا الإصلاح التشريعي، الذي جاء به القانون 43.22، ليس مجرد حبر على ورق؛ إذ تم إصدار 1392 حكماً بديلاً في ظرف ستة أشهر فقط. والأهم من ذلك، أن هذه الأحكام نجحت في تخفيف الضغط عن المؤسسات السجنية، حيث أدى تفعيل 838 حكماً إلى الإفراج عن 782 معتقلاً، مما يمنح هؤلاء فرصة حقيقية للاندماج مجدداً في نسيج المجتمع بعيداً عن أسوار السجن.
وعن طبيعة هذه العقوبات، تتصدر الغرامات اليومية قائمة الأحكام الأكثر تنفيذاً، متبوعة بالعمل للمنفعة العامة، إضافة إلى تدابير أخرى تشمل تقييد الحقوق أو برامج المراقبة وإعادة التأهيل، وصولاً إلى استخدام السوار الإلكتروني في حالات محددة. ومع ذلك، لا تخلو التجربة من تحديات؛ حيث سجلت وزارة العدل 85 حالة لرفض أو خرق هذه العقوبات، وهو أمر متوقع في أي تجربة ميدانية جديدة تستوجب المتابعة الدقيقة والتقييم المستمر.
يؤكد وزير العدل أن الهدف الأسمى من هذا المشروع هو إرساء توازن دقيق بين ردع الجريمة وبين إنسانية العقوبة. فالعدالة اليوم، بحسب المنظور الجديد، لم تعد ترتكز فقط على حبس الجاني، بل أصبحت تمتلك أدوات مرنة تتناسب مع جسامة الفعل المرتكب وتراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للمحكوم عليهم. ومع تزايد عدد القرارات التنفيذية التي بلغت 1054 قراراً، يبدو أن المغرب يسير بثبات نحو تعزيز منظومة جنائية عصرية تضع كرامة الإنسان في صلب اهتماماتها، مع الحرص الكامل على حماية النظام العام وضمان استتباب الأمن.