مع حلول كل مناسبة دينية، كعيد الفطر أو عيد الأضحى، تتحول شاشات هواتفنا إلى ساحة صاخبة بعبارات التهنئة الجاهزة. ‘عيد مبارك سعيد’، ‘كل عام وأنتم بخير’، جمل توارثناها جيلاً بعد جيل، لكنها في عصرنا الرقمي فقدت الكثير من رونقها وصدقها، لتتحول إلى ما يشبه ‘المعلبات’ الجاهزة التي يتم توزيعها بالجملة عبر خاصية ‘النسخ واللصق’.
المفارقة الغريبة في هذا المشهد هي ذلك الاستسهال الذي يطبع علاقاتنا الاجتماعية. الكثير منا يكتفي بتحديد قائمة الأسماء في ‘واتساب’ وإرسال رسالة واحدة للجميع، دون عناء كتابة جملة واحدة نابعة من القلب. والنتيجة؟ مواقف محرجة بطلها سؤال ‘من معي أخي؟’، حين تصل التهنئة لشخص غريب أو لزميل قديم لم تتحدث معه منذ سنوات، وربما الأسوأ من ذلك، حين تصل الرسالة إلى رقم شخص متوفٍ لا يزال اسمه عالقاً في ذاكرة هاتفك.
إن هذه المناسبات العظيمة، التي شرعها الله لصلة الأرحام وتجاوز الخلافات وتطهير القلوب، تحولت عند البعض إلى عبء تقني. لقد أفرغت العولمة والسرعة هذه العادات من محتواها، فصار الودّ يُقاس بعدد الرسائل التي ترسلها في وقت قياسي، لا بجودة الكلمة أو صدق المشاعر. تاهت البوصلة، وأصبحنا نوزع التهاني كمن يوزع أوراقاً في الشارع، دون أن نكلف أنفسنا عناء تخصيص تهنئة تليق بصاحبها.
إن جوهر العيد يكمن في التواصل الحقيقي، في تلك الكلمة الطيبة التي تذيب الجليد بين الأقارب وتصل ما انقطع من ود. فهل يعجزنا أن نكتب بضع كلمات خاصة لكل عزيز؟ إننا في بلد يعتز بقيمه الدينية وأجوائه الروحانية، حيث تعبق المساجد بذكر الله وتجتمع العائلات على مائدة المحبة، فلا تجعلوا من ‘التكنولوجيا’ سداً منيعاً يحجب عنا دفء المشاعر الصادقة.
دعونا نتحرر قليلاً من قيود ‘النسخ واللصق’، ولنجعل تهانينا القادمة أكثر إنسانية، وأكثر صدقاً. ففي نهاية المطاف، لن تبقى إلا الكلمة الطيبة التي تترك أثراً في النفوس، أما الرسائل المكررة، فهي غالباً ما تذهب إلى أرشيف النسيان قبل أن ينتهي يوم العيد.