24 ساعة

منازل الآيلة للسقوط بالمدن العتيقة.. حين يهدد ‘الزمن’ أرواح السكان وذاكرة التاريخ

في أزقة فاس ومراكش وتطوان، حيث تعبق الجدران برائحة التاريخ، يختبئ خطر صامت لا يرحم. لم تعد حوادث انهيار المنازل العتيقة مجرد أخبار عابرة في الصحف، بل أصبحت كابوساً يومياً يؤرق مئات الأسر التي تسكن مباني تآكلت بفعل السنين، لتتحول من معالم حضارية إلى قنابل موقوتة تهدد الأرواح والذاكرة العمرانية للمغرب.

الواقع يفرض نفسه بمرارة؛ فهذه البيوت التي صمدت لقرون في وجه تقلبات الزمن، بدأت تستسلم اليوم لعوامل التعرية، غياب الصيانة الدورية، وتراكم الإهمال في بعض الأحيان. إن الحديث هنا لا يتعلق فقط بجدران متداعية، بل بهوية مدينة وجزء أصيل من التراث العالمي الذي صنفته اليونسكو، وهو ما يجعل ضياع هذه المعالم خسارة لا يمكن تعويضها.

وعلى الرغم من البرامج الطموحة التي أطلقتها السلطات، خاصة في مدينة فاس، لترميم المباني المهددة، إلا أن التحدي لا يزال أكبر بكثير من سرعة التدخل. يقول الخبراء في هذا المجال إن الحل ليس مجرد ‘تجميل’ للواجهات بعد وقوع الكارثة، بل يتطلب استراتيجية استباقية تعتمد على الرصد الدقيق، وتوفير التمويل المستدام، وإشراك الساكنة في صيانة محيطهم المعيشي. فالمطلوب اليوم هو الانتقال من منطق ‘رد الفعل’ إلى منطق ‘الوقاية’ قبل أن تسقط الأسقف فوق رؤوس قاطنيها.

من زاوية أخرى، يقترح مراقبون ضرورة فتح الباب أمام الاستثمارات الخاصة والمبادرات المدنية، لتحويل هذه المنازل إلى فضاءات سياحية وثقافية تعيد إليها الحياة، وتضمن في الوقت ذاته استمرارية صيانتها. إن التوازن الصعب بين حماية الأرواح البشرية والحفاظ على إرث الأجداد يظل معضلة حقيقية تتطلب تكاتف الجهود بين الفاعلين المحليين والقطاعات الحكومية.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال معلقاً: هل سينتظر القائمون على الشأن المحلي فصولاً جديدة من الانهيارات، أم ستتحول هذه التحذيرات إلى خطط عملية تنقذ ما يمكن إنقاذه؟ ذاكرة مدننا تستحق أكثر من مجرد ترميم عابر؛ فهي الوعاء الذي يحفظ هويتنا للأجيال القادمة.