مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، يعود النقاش بقوة إلى الواجهة حول تقييم أداء فريق عزيز أخنوش. ليس من باب كيل المديح ولا من باب النقد لمجرد النقد، ولكن بلغة الأرقام والمؤشرات التي لا تحابي أحداً. وفي هذه السلسلة التي نخصصها لرصد ملامح التدبير الحكومي، يبرز اسم فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، كواحد من أكثر الشخصيات تأثيراً وحضوراً في المشهد المالي والسياسي.
لقجع، الذي يوصف بـ «مهندس ميزانية الدولة»، أدار الدفة في ظروف ليست بالهينة؛ فبين مطرقة التضخم العالمي وأسعار الطاقة المشتعلة، وسندان الجفاف والخصاص المائي، كان عليه أن يجد التوليفة السحرية للحفاظ على توازن مالية المملكة. المثير في مسار الرجل ليس فقط قدرته التقنية، بل أسلوبه في تبسيط «لغة الأرقام» المعقدة تحت قبة البرلمان، حيث يحول المؤشرات الجافة إلى حقائق يفهمها المواطن العادي.
لقد كشفت سنة 2024 عن نتائج فاقت التوقعات؛ إذ حققت الإيرادات الضريبية أداءً قياسياً وصل إلى 110.8% من الأهداف المسطرة، بزيادة ناهزت 37.6 مليار درهم عن العام الماضي. واللافت هنا أن هذا الانتعاش لم يأتِ عبر جيوب المواطنين من خلال رفع الضرائب، بل عن طريق توسيع الوعاء الضريبي، ومحاربة التهرب، وتحديث طرق التحصيل التي أصبحت أكثر مرونة ورقمنة.
وبالنظر إلى المستقبل القريب، حمل لقجع أخباراً مطمئنة للبرلمانيين في يناير الماضي، مؤكداً أن الموارد العادية للدولة لعام 2025 ستصل إلى حوالي 424 مليار درهم، بزيادة تفوق 14%. هذه الأرقام تعني ببساطة أن الدولة باتت تملك هامش تحرك أكبر لتمويل الأوراش الاجتماعية الكبرى، مثل تعميم الحماية الاجتماعية وإصلاح التعليم والصحة، دون السقوط في فخ العجز المفرط.
ومن بين النقاط المضيئة في حصيلة «مهندس الميزانية»، نجد مشروع الإصلاح الضريبي الذي مس حياة الطبقات المتوسطة والمحدودة الدخل بشكل مباشر، عبر رفع سقف الإعفاء من الضريبة على الدخل وتوسيع الإعفاءات العائلية. كما لا يمكن إغفال نجاح مبادرة «التصريح الطوعي»، التي ضخت حوالي 125 مليار درهم في الدورة الاقتصادية، مما يعزز الثقة بين الإدارة والملزم بالضريبة.
إن الرهان اليوم يتجاوز مجرد مراكمة الأرقام؛ فالرقمنة واستخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الضرائب والجمارك هي أدوات يسخرها لقجع لضمان الشفافية. ورغم كل هذه «النقاط الخضراء»، يبقى التحدي الحقيقي هو أثر هذه المليارات على المعيش اليومي للمغاربة، ومدى قدرتها على تقليص الفوارق الطبقية والمجالية في ظل واقع اقتصادي عالمي لا يرحم.