24 ساعة

لماذا تتربع مراقبة الأهلة في المغرب على عرش الدقة في العالم الإسلامي؟

لطالما أثار الانضباط المغربي في تحديد مطالع الشهور الهجرية إعجاب الكثيرين، فخلف تلك البلاغات الرسمية التي ننتظرها بشغف قبل رمضان أو الأعياد، يقف نظام معقد وشديد الدقة، جعل من المغرب مرجعاً لا يخطئ في العالم الإسلامي. لا يقتصر الأمر على مجرد رصد عابر، بل هو مزيج فريد يجمع بين «روح الشريعة» و«دقة الحساب»، في معادلة حققت للمملكة تفوقاً مشهوداً له دولياً.

تدير وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية هذه العملية بصرامة واحترافية، حيث تعتمد على شبكة مراقبة واسعة النطاق تتوزع على مئات النقاط في مختلف ربوع المملكة، من سهولها إلى قمم جبالها. هذه النقاط لا يديرها هواة، بل يشرف عليها مراقبون معتمدون ولجان متخصصة، مدعومة بوحدات من القوات المسلحة الملكية، مما يضمن تغطية جغرافية شاملة تمنع أي هامش للخطأ أو التداخل في الشهادات.

ما يميز التجربة المغربية حقاً هو الاستمرارية؛ فالمغاربة لا يراقبون الهلال في رمضان أو ذي الحجة فقط، بل هي طقس شهري دائم على مدار السنة. هذا التراكم في الخبرة جعل من اللجنة المركزية بالرباط تمتلك مصفاة دقيقة للبيانات؛ حيث تُقارن الشهادات الميدانية بالمعطيات الفلكية العلمية المتعلقة بزاوية رؤية القمر ومدة بقائه في الأفق بعد غروب الشمس. وإذا ما حدث تعارض، فإن المعايير الصارمة ترجح كفة الرؤية العينية المستحيلة فلكياً، وهو ما يقلص احتمالات الخطأ إلى مستويات تقترب من الصفر.

وفي الوقت الذي تشهد فيه العديد من الدول الإسلامية انقسامات وسجالات سنوية حول ثبوت الرؤية من عدمها، يظل المغرب بمنأى عن هذه الخلافات، بفضل التنسيق المركزي المحكم الذي يحظى بثقة شعبية ودولية واسعة. إنها منظومة متكاملة لا تكتفي بالنظر إلى السماء، بل تستند إلى أسس علمية وتنظيمية تجعل من «رؤية الهلال» في المغرب نموذجاً يحتذى به، يمزج بين أصالة التقاليد وحداثة المنهج.