يبدو أن تداعيات قضية الملياردير الأمريكي الراحل جيفري إبستين لن تتوقف عند الحدود الأمريكية، بل بدأت تضرب بقوة في العمق الفرنسي. فقد أعلن مكتب المدعي العام في باريس، يوم السبت، عن خطوة تصعيدية تتمثل في تشكيل فريق خاص من القضاة والمحققين لتحليل الأدلة التي قد تورط مواطنين فرنسيين في الجرائم الجنسية المرتبطة بإبستين.
هذا التحرك القضائي يأتي في وقت حساس، خاصة بعد أن كشفت الوثائق المفرج عنها من قبل السلطات الأمريكية عن أسماء شخصيات فرنسية بارزة كانت تدور في فلك إبستين. ولم يكتفِ القضاء الفرنسي بفتح ملفات جديدة، بل قرر إعادة فحص قضية “جان لوك برونيل”، المدير السابق لوكالة عارضة أزياء والصديق المقرب لإبستين، والذي وُجد ميتاً في زنزانته بباريس عام 2022.
الفريق الجديد سيعمل بتنسيق وثيق مع وحدة الجرائم المالية الوطنية والشرطة، بهدف استخراج أي دليل يمكن استخدامه لفتح تحقيقات جنائية رسمية. برونيل، الذي أسقطت القضية ضده بعد وفاته، كان متهماً باستدراج فتيات قاصرات من أوساط فقيرة تحت غطاء العمل في عرض الأزياء، ليتضح لاحقاً تعرضهن لانتهاكات جنسية في باريس وجنوب فرنسا والولايات المتحدة.
العاصفة لم تتوقف عند هذا الحد، بل جرفت معها أسماء سياسية ثقيلة؛ فقد أعلن جاك لانغ، الوزير الفرنسي السابق، استقالته من رئاسة معهد العالم العربي بباريس، بعد ورود اسمه في وثائق مرتبطة بشركة تابعة لإبستين. ورغم نفي لانغ القاطع وتأكيده أنه “نقي كالثلج” وأنه ضحية لـ”تسونامي من الأكاذيب”، إلا أن القضاء المالي فتح تحقيقاً أولياً بتهم تتعلق بالاحتيال الضريبي وغسل الأموال.
وتشير التقارير إلى أن التحقيقات الحالية تضع تحت المجهر ثلاث حالات محددة: دبلوماسي رفيع المستوى يُدعى فابريس أيدان، ووكيل عارضات أزياء، بالإضافة إلى موسيقار معروف. وتأتي هذه التحركات بناءً على شكاوى رسمية، منها شكوى من سيدة سويدية تتهم أحد المقربين من إبستين بارتكاب اعتداءات تعود لعام 1990، وشكوى أخرى ضد قائد أوركسترا فرنسي بتهمة التحرش.
إنها مواجهة قضائية مفتوحة تحاول من خلالها فرنسا تنظيف بيتها الداخلي من تركة إبستين الثقيلة، في قضية أثبتت أن النفوذ والمال لا يمكنهما حجب الحقيقة إلى الأبد، حتى وإن رحل أبطالها الرئيسيون خلف قضبان السجون.